بكتاب الحيض وهو لا يحتاج إلى شيء من ذلك قطَّ في عمره لنفسه وإذا احتاج غيره كان في المفتين كثرة فيشتغل بذلك ويحرص عليه لما فيه من الجاه والمال والرّئاسة وقد دهاه الشيطان وما يشعر إذ يظنّ المغرور بنفسه أنّه مشغول بفرض كفاية دينيّة وليس يدري أنّ الاشتغال بفرض الكفاية قبل الفراغ عن فرض العين معصية ، هذا لو كانت نيّته صحيحة كما قال ، وكان قد قصد بالفقه وجه الله تعالى فإنّه وإن قصد وجه الله فهو باشتغاله به معرض عن فروض عينه في جوارحه وقلبه ، فهذا غروره من حيث العمل ، وأمّا غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوي وظنّ أنّه علم الدّين وترك علم كتاب الله وسنّة نبيّه وربّما طعن على المحدّثين وقال : إنّهم نقلة أخبار وحملة أسفار لا يفقهون ، وترك أيضا علم تهذيب الأخلاق وترك الفقه عن الله بإدراك جلاله وعظمته وهو العلم الَّذي يورث الخوف والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى فتراه آمنا من الله مغترّا به متّكلا على أنّه لابدّ وأن يرحمه فإنّه قوام دينه وإنّه لو لم يشتغل بالفتاوي لتعطَّل الحلال والحرام فقد ترك العلوم الَّذي هي أهمّ وهو غافل مغرور وسبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه ولم يدر أنّ ذلك الفقه هو الفقه عن الله ومعرفة صفاته المخوّفة والمرجوّة ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى إذ قال تعالى : « فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدّين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم » ( 1 ) والَّذي به يحصل الإنذار غير هذا العلم فإنّ مقصود هذا العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات وحفظ الأبدان بالأموال وبدفع القتل والجراحات ، والمال في طريق الله تعالى آلة والبدن مركب وإنّما العلم المهمّ هو معرفة سلوك الطريق وقطع عقبات القلب الَّتي هي الصفات المذمومة فهي الحجاب بين العبد وبين الله تعالى وإذا مات ملوّثا بتلك الصّفات كان محجوبا عن الله تعالى ، فمثاله في الاقتصار على علم الفقه مثال من اقتصر من سلوك طريق الحجّ على علم خرز الراوية والخفّ ولا يشكّ في أنّه لو لم يكن لتعطَّل الحجّ ولكنّ المقتصر عليه ليس من الحجّاج في شيء . وقد
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 319
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٩
هامش
( 1 ) التوبة : 122 .