مطَّلع عليه في ذلك ، فهذا وأمثاله من خفايا العيوب لا يفطن لها إلا الأكياس ، ولا يتنزّه عنها إلا الأقوياء ، ولا مطمع فيها لأمثالنا من الضعفاء إلا أنّ أقلّ الدّرجات أن يعرف الإنسان عيوب نفسه ويسوءه ذلك ويكرهه ويحرص على إصلاحه ، فإذا أراد الله تعالى بعبد خيرا بصّره بعيوب نفسه ، ومن سرّته حسنته وساءته سيّئته فهو مرجوّ الحال وأمره أقرب من المغرور المزكَّي لنفسه ، الممتنّ على الله تعالى بعلمه وعمله ، الظانّ أنّه من خيار خلقه فنعوذ بالله من الغفلة والاغترار ومن المعرفة بخفايا العيوب مع الإهمال ، وهذا غرور الَّذين حصّلوا العلوم المهمّة ولكن قصّروا في العمل بالعلم . ولنذكر الآن غرور الَّذين قنعوا من العلوم بما لا يهمّهم وتركوا المهمّ وهم به مغترّون إمّا لاستغنائهم عن أصل ذلك العلم وإمّا لاقتصارهم عليه .
فمنهم فرقة اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدّنيويّة الجارية بين الخلق لمصالح المعايش فخصّصوا اسم الفقه بها وسمّوه الفقه وعلم المذهب ، وربّما ضيّعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة ولم يتفقّدوا الجوارح ولم يخرسوا اللَّسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولا الرّجل عن المشي إلى السلاطين وكذا سائر الجوارح ولم يخرسوا قلوبهم عن الكبر والرّياء والحسد وسائر المهلكات فهؤلاء مغرورون من وجهين : أحدهما من حيث العمل والآخر من حيث العلم ، أمّا العمل فقد ذكرنا وجه الغرور فيه وأنّ مثالهم مثال المريض إذا تعلَّم نسخة الدّواء واشتغل بتكراره وحفظه وتعليمه ، لا بل مثالهم مثال من به علَّة البواسير والبرسام وهو مشرف على الهلاك ، محتاج إلى تعلَّم الدّواء واستعماله فاشتغل بتعلَّم دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلا ونهارا مع علمه بأنّه رجل لا يحيض ولا يستحاض ولكن يقول ربّما يقع علَّة الاستحاضة لامرأة وتسألني عنها وذلك غاية الغرور ، وكذلك المتفقّه المسكين قد تسلَّط عليه حبّ الدّنيا واتّباع الشهوات والحسد والكبر والرّياء وسائر المهلكات الباطنة وربّما يختطفه الموت قبل التوبة والتلافي فيلقى الله تعالى وهو عليه غضبان فترك ذلك كلَّه واشتغل بعلم السلم والإجارة والظهار واللَّعان والجراحات والدّيات والدّعاوي والبيّنات
و
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 318
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٨