التصنيف إنّما يرجع إلى المصنّف والله عالم بأنّه هو المصنّف لا من ادّعاه ولعلَّه في تصنيفه لا يخلو من الثناء على نفسه إمّا صريحا بالدّعاوي الطويلة العريضة ، وإمّا ضمنا بالطعن في غيره ليستبين من طعنه في غيره أنّه أفضل ممّن طعن فيه وأعظم منه علما ولقد كان في غنية عن الطعن فيه ولعلَّه يحكي من الكلام المزيّف ما يريد تزييفه فيعزيه إلى قائله وما يستحسنه فلعلَّه لا يعزيه إليه ليظنّ أنّه من كلامه فينقله بعينه كالسارق له أو يغيّره أدنى تغيير كالَّذي يسرق قميصا فيتّخذه قباء حتّى لا يعرف أنّه مسروق ولعلَّه يجتهد في تزيين ألفاظه وتسجيعها وتحسين نظمها كيلا ينسب إلى الرّكاكة ويرى أنّ غرضه ترويج الحكمة وتحسينها وتزيينها ليكون أقرب إلى نفع الناس . وعساه غافل عمّا روي أنّ بعض الحكماء وضع ثلاثمائة وستّين مصحفا في الحكمة فأوحى الله إلى نبيّ زمانه قل له : قد ملأت الأرض نفاقا وإنّي لا أقبل من نفاقك شيئا . ولعلّ جماعة من هذا الصنف من المغترّين إذا اجتمعوا ظنّ كلّ واحد بنفسه السّلامة عن عيوب القلوب وخفاياها ، فلو افترقوا وأتبع كلّ واحد منهم فرقة من أصحابه نظر كلّ واحد إلى كثرة من يتبعه وأنّه أكثر تبعا أم غيره فيفرح إن كان أتباعه أكثر وإن علم أنّ غيره أحقّ بكثرة الأتباع منه حسده ، ثمّ إذا تفرّقوا واشتغلوا بالإفادة تغايروا وتحاسدوا ولعلّ من يختلف إلى واحد منهم إذا انقطع عنه إلى غيره ثقل على قلبه ووجد في نفسه نفرة منه فبعد ذلك لا يهتزّ باطنه لإكرامه ولا يتشمّر لقضاء حوائجه كما كان يتشمّر من قبل ولا يحرص على الثناء عليه كما أثنى من قبل مع علمه بأنّه مشغول بالاستفادة ، ولعلّ التحيّز منه إلى فئة أخرى كان أنفع له في دينه لآفة من الآفات كانت تلحقه في هذه الفئة وسلامته منها في تلك الفئة ومع ذلك فلا تزول النفرة عن قلبه ، ولعلّ واحدا منهم إذا تحرّكت فيه مبادي الحسد لم يقدر على إظهاره فيعلَّل بالطَّعن في دينه وفي ورعه ليحمل غضبه على ذلك ويقول : إنّما غضبت لدين الله لا لنفسي ، ومهما ذكرت عيوبه بين يديه ربّما فرح به ، وإن أثنى عليه ربّما ساءه وكرهه ، وربّما قطب وجهه إذا ذكر عيوبه يظهر أنّه كاره لغيبة المسلمين وسرّ قلبه راض به ومريد له ، والله
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 317
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٧