بهذه الظنّون يرى أنّه من الخائفين وهو آمن من مكر الله ، ويرى أنّه من الرّاجين وهو من المغترّين المضيّعين ، ويرى أنّه من الرّاضين بقضاء الله عزّ وجلّ وهو من الساخطين ، ويرى أنّه من المتوكَّلين على الله وهو من المتّكلين على العزّ والجاه والمال والأسباب ، ويرى أنّه من المخلصين وهو من المرائين ، بل يصف الإخلاص فيترك الإخلاص في الوصف ، ويصف الرّياء ويذكره وهو يرائي بذكره ليعتقد فيه أنّه لولا أنّه مخلص لما اهتدى إلى دقائق الرّياء ، ويصف الزهد في الدّنيا لشدّة حرصه على الدّنيا وقوّة رغبته فيها ، فهو يظهر الدّعاء إلى الله وهو منه فارّ ، ويخوّف بالله وهو منه آمن ، ويذكَّر بالله وهو له ناس ، ويقرّب إلى الله وهو منه متباعد ، ويحثّ على الإخلاص وهو غير مخلص ، ويذمّ الصفات المذمومة وهو بها متّصف ، ويصرف الناس عن الخلق وهو على الخلق أشدّهم حرصا ، لو منع عن مجلسه الَّذي يدعو فيه الناس إلى الله تعالى لضاقت عليه الأرض بما رحبت [ 1 ] ويزعم أنّ غرضه إصلاح الخلق ولو ظهر من أقرانه من أقبل الخلق عليه وصلحوا على يديه لمات غمّا وحسدا ، ولو أثنى أحد من المتردّدين إليه على بعض أقرانه لكان أبغض خلق الله إليه ، فهؤلاء أعظم الناس غرّة ، وأبعدهم عن التنبّه والرّجوع إلى السداد لأنّ المرغَّب في الأخلاق المحمودة والمنفّر عن المذمومة هو العلم بغوائلها وفوائدها وهذا قد علم ذلك ولم ينفعه ، وشغله حبّ دعوة الخلق عن العمل به فبعد ذلك بما ذا يعالج وكيف سبيل تخويفه نفسه وإنّما المخوّف ما يتلوه على عباد الله فيخافون وهو ليس بخائف نعم لو ظنّ بنفسه أنّه موصوف بهذه الصفات المحمودة يمكن أن يدلّ على طريق الامتحان والتجربة وهو أنّه يدّعي مثلا حبّ الله تعالى فما الَّذي تركه من محابّ الدّنيا لأجله ؟ ويدّعي الخوف فما الَّذي امتنع منه بالخوف ؟ ويدّعي
هامش
[ 1 ] أي بما اتسعت والرحب : سعة المكان ومنه رحبة المسجد ، ورحبت الدار اتسعت ، واستعير للواسع الجوف فقيل رحب البطن ، ولواسع الصدر كما استعير الضيق لضده قال الله تعالى : « وضاقت عليكم الأرض بما رحبت » ويقال رحيب الفناء لمن كثرت غاشيته .
وقولهم مرحبا وأهلا أي وجدت مكانا رحبا . ( قاله الراغب في مفرداته ) .