ثمّ إنّهم رأوا النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وقد بعث إلى كافّة أهل الملل فلم يقعد معهم في مجلس مجادلة لإلزام وإفحام وتحقّق حجّة ودفع سؤال وإيراد إلزام ، فما جادلهم إلا بتلاوة القرآن المنزل عليهم ولم يزد في المجادلة عليه لأنّ ذلك يشوّش القلوب ويستخرج منها الإشكالات والشبه ، ثمّ لا يقدر على محوها من قلوبهم وما كان يعجز عن مجادلتهم بالتقييسات ودقائق الأقيسة ولم يعلَّم أصحابه كيفيّة الجدل والإلزام .
ولكنّ الأكياس وأهل الحزم لم يغترّوا بهذا وقالوا : لو نجا أهل الأرض وهلكنا لم تنفعنا نجاتهم ، ولو نجونا وهلكوا لم يضرّنا هلاكهم ، وليس علينا في المجادلة أكثر ممّا كان على الصحابة مع اليهود والنصارى وأهل الملل ، وما ضيّعوا العمر بتحرير مجادلتهم فما لنا نضيّع العمر ولا نصرفه إلى ما ينفعنا في يوم فقرنا وفاقتنا ولم نخوض فيما لا نأمن على أنفسنا الخطأ في تفاصيله ثمّ نرى أنّ المبتدع ليس يترك بدعته بجدالنا بل يزيده التعصّب والخصومة تشدّدا في بدعته فاشتغالي بمخاصمة نفسي ومجاهدتها ومجادلتها لتترك الدّنيا للآخرة أولى ، هذا لو كنت لم انه عن الجدل والخصومة فكيف وقد نهيت عنه فكيف أدعو إلى السنّة بترك السنّة فالأولى لي أن أتفقّد نفسي وأنظر من صفاتها ما يبغضه الله تعالى لأتنزّه عمّا يبغضه وأتمسّك بما يحبّه .
وفرقة أخرى اشتغلوا بالوعظ وأعلاهم رتبة من يتكلَّم في أخلاق النفس وصفات القلب من الخوف والرّجاء والصبر والشكر والتوكَّل والزّهد واليقين والإخلاص والصدق ونظائره ، وهم مغرورون يظنّون بأنفسهم أنّهم إذا تكلَّموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها فقد صاروا موصوفين بهذه الصفات وهم منفكَّون عنها عند الله إلا عن قدر يسير لا ينفكّ عنه عوام المسلمين ، وغرور هؤلاء أشدّ الغرور لأنّهم يعجبون بأنفسهم غاية الإعجاب ويظنّون أنّهم ما تبحّروا في علم المحبّة إلا وهم محبّون لله وما قدروا على تحقيق دقائق الإخلاص إلا وهم مخلصون وما وقفوا على خفايا عيوب النفس إلا وهم عنها منزّهون ولولا أنّه مقرّب عند الله لما عرّفه معنى القرب والبعد وعلم السلوك إلى الله وكيفيّة قطع المنازل في طريق الله ، فالمسكين
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 322
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢٢