فإنّما اغترارها من حيث أنّها ظنّت بالجدل أنّه أهمّ الأمور وأفضل القربات في دين الله وزعمت أنّه لا يتمّ لأحد دينه ما لم يتفحّص ولم يبحث وإنّ من صدّق الله ورسوله من غير بحث وتحرير دليل فليس بمؤمن ولا بكامل ولا مقرّب عند الله فلهذا النظر الفاسد قطعت أعمارها في تعلَّم الجدل والبحث عن المقالات وهذيانات المبتدعة ومناقضاتهم وأهمل نفسه وقلبه حتّى عمى عليه ذنوبه وخطاياه الظاهرة والباطنة وهو يظنّ أنّ اشتغاله بالجدل أولى وأقرب عند الله وأفضل ولكنّه لالتذاذه بالغلبة والافحام ولذّة الرئاسة وعزّ الانتماء إلى الذّبّ عن دين الله عميت بصيرته ولم يلتفت إلى القرن الأوّل وأنّ النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم شاهد لهم بأنّهم خير الخلق وأنّهم قد أدركوا كثيرا من أهل البدع والأهواء فما جعلوا أعمارهم ودينهم غرضا للخصومات والمجادلات وما اشتغلوا بذلك عن تفقّد قلوبهم وجوارحهم وأحوالهم ، بل لم يتكلَّموا فيه إلا حيث رأوا حاجة وتوسّموا مخائل قبول فذكروا بقدر الحاجة ما يدلّ الضالّ على ضلالته ، وإذا رأوا مصرّا على ضلالة هجروه وأعرضوا عنه وأبغضوه في الله ولم يلزموا الملاحاة معه طول العمر بل قالوا : إنّ الحقّ هو الدّعوة إلى السنّة ومن السنّة ترك الجدال في الدّعوة إلى السنّة إذ روى أبو أمامة عن النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « ما ضلّ قوم قطَّ بعد هدى إلا أتوا الجدل وحرموا العمل » ( 1 ) . وخرج رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يوما على أصحابه وهم يتجادلون ويختصمون فغضب عليهم حتّى كأنّه فقئ في وجهه حبّ الرمّان حمرة من الغضب فقال : « ألهذا بعثتم أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ؟ انظروا إلى ما أمرتم به فاعملوا وإلى ما نهيتم عنه فانتهوا » ( 2 ) . فقد زجرهم رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن ذلك وكانوا أولى خلق الله بالحجاج والجدال ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 321
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢١
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 48 ورواه أحمد والترمذي والحاكم أيضا بسند حسن وقد تقدم .
( 2 ) أخرجه البزار والطبراني في الكبير بأدنى تفاوت من حديث أبي سعيد بسند ضعيف وفي الأوسط من حديث أنس ورجاله ثقات إثبات كما في مجمع الزوائد ج 1 ص 156 .