تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩

رأى غيره مثل نفسه لم يتكبّر بل ينبغي أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ، ثمّ يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره [ 1 ] ، فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر لا أنّ هذه الرؤية هي الكبر بل هذه الرّؤية وهذه العقيدة تنفخ فيه فيحصل في قلبه اعتداد وهزّة وفرح وركون إلى ما اعتقده ، وعزّ في نفسه بسبب ذلك فتلك العزّة والهزّة والرّكون إلى المعتقد هو خلق الكبر ، ولذلك قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أعوذ بك من نفخة الكبرياء » ( 1 ) ولذلك قال بعض خلفاء النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أخشى أن تنتفخ حتّى تبلغ الثريّا . للَّذي استأذنه أن يعظ بعد صلاة الصّبح . وكأنّ الإنسان مهما رأى نفسه بهذه العين وهو الاستعظام كبر وانتفخ وتعزّز ، فالكبر عبارة عن الحالة الحاصلة في النفس من هذه الاعتقادات ، وتسمّى أيضا عزّة وتعظَّما ، ولذلك قال ابن عبّاس في قوله تعالى : « إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه » ( 2 ) فقال : عظمة لم يبلغوها ففسّر الكبر بتلك العظمة ثمّ هذه العزّة تقتضي أعمالا في الظاهر والباطن هي ثمراته ويسمّى ذلك تكبّرا فإنّه مهما عظم عنده قدر نفسه بالإضافة إلى غيره حقّر من دونه وازدرأه وأقصاه عن نفسه وأبعده وترفّع عن مجالسته ومواكلته ورأى أنّ حقّه أن يقوم ماثلا بين يديه إن اشتدّ كبره ، فإن كان كبره أشدّ من ذلك استنكف عن استخدامه ولم يجعله أهلا للقيام بين يديه ولا لخدمة عتبته فإن كان دون ذلك فيأنف من مساواته ، ويتقدّم عليه في مضائق الطرق ، وارتفع عليه في المحافل ، وانتظر أن يبدأه بالسّلام ، واستبعد إن قصّر في قضاء حوائجه ، وتعجّب منه ، وإن حاجّ أو ناظر أنف أن يردّ عليه ، وإن وعظ استنكف من القبول ، وإن وعظ عنف في النّصح ، وإن ردّ عليه شيء من قوله غضب ، وإن علَّم لم يرفق بالمتعلَّمين واستذلَّهم وانتهرهم وامتنّ عليهم واستخدمهم ، وينظر إلى العامّة كأنّه ينظر إلى الحمير استجهالا لهم واستحقارا ، والأعمال الصّادرة عن خلق

هامش
( 1 ) تقدم سابقا .
( 2 ) المؤمن : 58 .
[ 1 ] فيه نظر لأنه ينافي ما قال الصادق عليه السّلام : « ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه » .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 229 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري