الخلق كلَّهم قبيح وفي الفقراء أقبح .
ويقال : لا عزّ إلا لمن تذلَّل للَّه عزّ وجلّ ولا رفعة إلا لمن تواضع للَّه ، ولا أمن إلا لمن خاف اللَّه ، ولا ربح إلا لمن ابتاع نفسه من اللَّه عزّ وجلّ .
وعن عمرو بن شيبة قال : كنت بمكَّة بين الصفا والمروة فرأيت رجلا راكبا بغلة وبين يديه غلمان وإذا هم يعنّفون الناس ، قال : ثمّ عدت بعد حين فدخلت بغداد فكنت يوما على الجسر فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر قال : فجعلت أنظر إليه وأتأمّله فقال لي : مالك تنظر إليّ ؟ فقلت له : شبّهتك برجل رأيته بمكَّة ووصفت له الصفة ، فقال : أنا ذلك الرّجل ، فقلت : ما فعل اللَّه بك ؟ فقال : إنّي ترفّعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني اللَّه حيث يترفّع فيه الناس .
وتفاخرت قريش عند سلمان - رضي اللَّه عنه - يوما فقال سلمان : لكنّني خلقت من نطفة قذرة ثمّ أعود جيفة منتنة ثمّ آتي الميزان فإن ثقل فأنا كريم وإن خفّ فأنا لئيم .
* ( بيان حقيقة الكبر وآفته ) *
اعلم أنّ الكبر ينقسم إلى ظاهر وباطن والباطن هو خلق في النفس والظاهر هو أعمال تصدر من الجوارح واسم الكبر بالخلق الباطن أحقّ ، وأمّا الأعمال فإنّها ثمرات لذلك الخلق وخلق الكبر موجب للأعمال ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال :
تكبّر وإذا لم يظهر يقال : في نفسه كبر ، فالأصل هو الخلق الَّذي في النفس وهو الاسترواح والرّكون إلى رؤية النّفس فوق المتكبّر عليه فإنّ الكبر يستدعي متكبّرا عليه ومتكبّرا به ، وبه ينفصل الكبر عن العجب كما سيأتي فإنّ العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده تصوّر أن يكون معجبا ولا يتصوّر أن يكون متكبّرا إلا أن يكون مع غيره وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال ، فعند ذلك يكون متكبّرا ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبّرا فإنّه قد يستعظم نفسه ولكن يرى غيره أعظم من نفسه أو مثل نفسه فلا يتكبّر عليه ولا يكفي أن يستحقر غيره فإنّه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبّر ولو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 228
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٢٨