تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١

في منزله فتقطعه الأسباب عن التهجّد مثل تمكَّنه من النوم على فراش وثير أو تمكَّنه من التمتّع بزوجته أو المحادثة مع أهله وأقاربه والاشتغال بأولاده أو مطالعة حساب له مع معامليه ، فإذا وقع في منزل غريب اندفعت عنه هذه الشواغل الَّتي تفتر رغبته عن الخير وحصلت له أسباب باعثة على الخير لمشاهدته إيّاهم وقد أقبلوا على اللَّه عزّ وجلّ وأعرضوا عن الدّنيا فانّه ينظر إليهم فينافسهم ويشقّ عليه أن يسبقوه بطاعة فتتحرّك داعيته للدّين لا للرّياء ، أو ربّما يفارقه النوم لاستنكاره الموضع أو سبب آخر فيغتنم زوال النوم ، وفي منزله ربّما يغلبه النوم وربّما ينضاف إليه أنّه في منزله على الدّوام ، والنفس لا تسمح بالتهجّد دائما وإنّما يسمح بالتهجّد وقتا قليلا فيكون ذلك سبب هذا النشاط مع اندفاع سائر العوائق ، وقد يعسر عليه الصوم في منزله ومعه أطائب الأطعمة ويشقّ عليه الصبر عنها فإذا أعوزته ( 1 ) تلك الأطعمة لم يشقّ عليه الصوم فينبعث داعية الدّين للصوم فإنّ الشهوات الحاضرة عوائق ودوافع تغلب باعث الدّين ، فإذا سلم منها قوي الباعث ، فهذا وأمثاله من الأسباب يتصوّر وقوعه ويكون السبب فيه مشاهدة الناس وكونه معهم ، والشيطان عند ذلك ربّما يصدّ عن العمل ويقول : لا تعمل فإنّك تكون مرائيا إذ كنت لا تعمل في بيتك ولا تزد على صلاتك المعتادة ، وقد تكون رغبته في الزّيادة لأجل رؤيتهم وخوفا من ذمّهم ونسبتهم إيّاه إلى الكسل ، لا سيّما إذا كانوا يظنّون به أنّه يقوم اللَّيل فإنّ نفسه لا تسمح بأن تسقط من أعينهم فيريد أن يحفظ منزلته وعند ذلك قد يقول الشيطان : صلّ فإنّك مخلص ولست تصلَّي لأجلهم بل للَّه ، وإنّما كنت لا تصلَّي كلّ ليلة لكثرة العوائق وإنّما داعيتك لزوال العوائق لا لاطَّلاعهم وهذا أمر مشتبه ، إلا على ذوي البصائر ، فإذا عرف أنّ المحرّك هو الرّياء فلا ينبغي أن يزيد على ما كان يعتاده ولا ركعة واحدة لأنّه يعصي اللَّه بطلب محمدة الناس بطاعة اللَّه تعالى ، وإن كان انبعاثه لدفع العوائق وتحرّك الغبطة والمنافسة بسبب عبادتهم فليوافق ، وعلامة ذلك أن يعرض على نفسه أنّه لو رأى هؤلاء يصلَّون من

هامش
( 1 ) أعوزه المطلوب : أعجزه وصعب عليه نيله .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 201 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري