تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
إلى اجتهاد القلب لينظر فيه لدينه ويدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ثمّ قد يقع ممّا ذكرناه غرور للجاهل فيمسك المال ولا ينفقه خيفة من الآفة وهو عين البخل ولا خلاف في أنّ تفرقة المال في المباحات فضلا عن الصدقات أفضل من إمساكه وإنّما الخلاف فيمن يحتاج إلى الكسب أنّ الأفضل ترك الكسب والإنفاق أو التجرّد للذكر أو الكسب من الحلال وإنفاقه في الخيرات وذلك لما في الكسب من الآفات وأمّا المال الحاصل الحلال فتفرقته أفضل بكلّ حال من إمساكه . فإن قلت : فبأيّ علامة يعرف العالم والواعظ أنّه صادق مخلص في وعظه غير مريد رئاء الناس ؟ فاعلم أنّ لذلك علامات إحداها أنّه لو ظهر من هو أحسن منه وعظا وأغزر منه علما والناس له أشدّ قبولا فرح به ولم يحسده ، نعم لا بأس بالغبطة وهي أن يتمنّى لنفسه مثل علمه ، والأخرى أنّ الأكابر إذا حضروا مجلسه لم يتغيّر كلامه بل يبقى كما كان عليه فينظر إلى الخلق بعين واحدة ، والأخرى أن لا يحبّ اتّباع الناس له في الطريق والمشي خلفه في الأسواق ، ولذلك علامات كثيرة يطول إحصاؤها . * ( بيان ما يصحّ من نشاط العبد للعبادة بسبب رؤية الخلق وما لا يصحّ ) * اعلم أنّ الرّجل قد يبيت مع القوم في موضع فيقومون للتهجّد أو يقوم بعضهم فيصلَّون اللَّيل كلَّه أو بعضه وهو ممّن يقوم في بيته ساعة قريبة ، فإذا رآهم انبعث نشاطه للموافقة حتّى يزيد على ما كان يعتاده أو يصلَّي مع أنّه كان لا يعتادها أصلا ، وكذلك قد يقع في موضع يصوم فيه أهل الموضع فينبعث له نشاط في الصوم ولولاهم لما انبعث هذا النشاط ، فهذا ربّما يظنّ أنّه رياء وأنّ الواجب ترك الموافقة وليس كذلك على الإطلاق بل له تفصيل ، لأنّ كلّ مؤمن راغب في عبادة اللَّه وفي قيام اللَّيل وصيام النهار ، ولكن قد تعوقه العوائق وتمنعه الأشغال ، ويغلبه التمكَّن من الشهوات ، أو تستهويه الغفلة ، فربّما يكون مشاهدة الغير سبب زوال الغفلة ، أو تندفع العوائق والأشغال في بعض المواضع فينبعث له النشاط ، فقد يكون الرّجل