حيث لا يرونه بل من وراء حجاب وهو في ذلك الموضع بعينه هل كانت تسخو نفسه بالصلاة وهم لا يرونه ، فإن سخت نفسه بها فليصلّ فإنّ باعثه الحقّ ، وإن كان ذلك يثقل على نفسه لو غاب عن أعينهم فليترك ، فإنّ باعثه الرّياء .
وكذلك قد يحضر الإنسان يوم الجمعة في الجامع من نشاط الصلاة ما لا يحضره كلّ يوم ، ويمكن أن يكون ذلك لحبّ حمدهم ، ويمكن أن يكون سبب تحرّك نشاطه بسبب نشاطهم وزوال غفلته بسبب إقبالهم على اللَّه تعالى ، وقد يتحرّك بذلك باعث الدّين ويقارنه نزوع النفس إلى حبّ الحمد ، فمهما علم أنّ الغالب على قلبه إرادة الدّين فلا ينبغي أن يترك العمل لما يجده من حبّ الحمد ، بل ينبغي أن يردّ ذلك على نفسه بالكراهة ويشتغل بالعبادة ، وكذلك قد تبكي جماعة فينظر إليهم فيحضره البكاء خوفا من اللَّه لا من الرّياء ولو سمع ذلك الكلام وحده لما بكى ولكن بكاء الناس يؤثّر في ترقيق القلب ، وقد لا يحضره البكاء فيتباكي تارة للرّياء وتارة مع الصدق إذ يخشى على نفسه قساوة القلب حين يبكون فلا تدمع عينه فيتباكي تكلَّفا ، وذلك محمود وعلامة الصدق فيه أن يعرض على نفسه أنّه لو سمع بكاءهم من حيث لا يرونه هل كان يخاف على نفسه القساوة فيتباكي أم لا ؟ فإن لم يجد ذلك عند تقدير الاختفاء عن أعينهم فإنّما خوفه من أن يقال :
إنّه قاسي القلب فينبغي أن يترك التباكي .
قال لقمان عليه السّلام لابنه : لا تري الناس أنّك تخشى اللَّه ليكرموك وقلبك فاجر .
وكذلك الصيحة والتنفّس والأنين عند القرآن أو الذّكر أو بعض مجاري الأحوال تارة تكون من الصدق والحزن والخوف والندم والتأسّف وتارة تكون بمشاهدة حزن غيره وقساوة قلبه فيتكلَّف التنفّس والأنين ويتحازن وذلك محمود ، وقد تقترن به الرّغبة فيه لدلالته على أنّه كثير الحزن ليعرف بذلك فإن تجرّدت هذه الدّاعية فهي الرّياء وإن اقترنت بداعية الحزن فإن أباها ولم يقبلها وكرهها سلم بكاؤه وتباكيه ، وإن قبل ذلك وركن إليه بقلبه حبط أجره وضاع سعيه وتعرّض لسخط اللَّه به ، وقد يكون أصل الأنين من الحزن ولكن يمدّه ويزيد
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 202
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٠٢