تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣

في رفع الصوت فتلك الزّيادة من الرّياء وهو محظور لأنّها في حكم الابتداء لمجرّد الرّياء ، فقد يهيج من الخوف ما لا يملك العبد معه نفسه ولكن يسبقه خاطر الرّياء فيقبله فيدعو إلى زيادة تحزين للصوت أو رفع له أو حفظ الدمعة على الوجه حتّى تبصر بعد أن استرسلت لخشية اللَّه ، ولكن يحفظ أثرها على الوجه لأجل الرّياء . وكذلك قد يسمع الذّكر فتضعف قواه من الخوف فيسقط ، ثمّ يستحيي أن يقال له : إنّه سقط من غير زوال عقل وحالة شديدة ، فيزعق ويتواجد تكلقا ليري أنّه سقط لكونه مغشيّا عليه وقد يكون ابتداء السقوط عن صدق وقد يزول عقله فيسقط ولكن يفيق سريعا فتجزع نفسه أن يقال : حالته غير ثابتة ، وإنّما هي كبرق خاطف فيستديم الزّعقة والرّفض ليري دوام حاله ، وكذلك قد يفيق بعد الضعف ولكن يزول ضعفه سريعا فيجزع أن يقال : لم تكن غشيته صحيحة ولو كانت لدام ضعفه ، فيستديم إظهار الضعف والأنين فيتّكئ على غيره حالة المشي يري أنّه يضعف عن القيام ويتمايل في المشي ويقرب الخطا ليظهر أنّه ضعف عن سرعة المشي ، فهذه كلَّها مكيدة الشيطان ونزغات النفس . فإذا خطرت فعلاجها أن يتذكَّر أنّ الناس لو عرفوا نفاقه في الباطن واطَّلعوا على ضميره لمقتوه وإنّ اللَّه مطَّلع على ضميره وهو له أشدّ مقتا ، كما روي عن ذي النون أنّه قام وزعق ، فقام معه شيخ فرأى فيه أثر التكلَّف فقال : يا شيخ اذكر الَّذي يراك حين تقوم ، فجلس الشيخ ، وكلّ ذلك من أعمال المنافقين وقد جاء في الخبر « تعوّذوا باللَّه من خشوع النفاق » ( 1 ) وإنّما خشوع النفاق أن تخشع الجوارح والقلب غير خاشع . ومن ذلك الاستغفار والاستعاذة باللَّه من عذابه وغضبه فإنّ ذلك قد يكون لخاطر خوف وتذكَّر ذنب وتندّم عليه وقد يكون للمراءات . فهذه خواطر ترد على القلب متضادّة مترادفة متقاربة ، وهي مع تقاربها متشابهة ، فراقب قلبك في كلّ ما يخطر لك وانظر ما هو ومن أين هو ؟ فإن كان للَّه فامضه ، واحذر مع ذلك أن

هامش
( 1 ) قال العراقي : أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي بكر وفيه الحارث بن عبيد الأيادي صعفه أحمد وابن معين .