يكون قد خفي عليك شيء من الرّياء الَّذي هو كدبيب النمل ، وكن على وجل من عبادتك أهي مقبولة أم لا ، لخوفك على الإخلاص فيها ، واحذر أن يتجدّد لك خاطر الرّكون إلى حمدهم بعد الشروع بالإخلاص فإنّ ذلك ممّا يكثر جدّا ، فإذا خطر لك فتفكَّر في اطَّلاع اللَّه عليك ومقته لك ، وتذكَّر ما قاله أحد الثلاثة النفر الَّذين حاجّوا أيّوب إذ قالوا : يا أيّوب أما علمت أنّ العبد تضلّ عنه علانيته الَّتي كان يخادع بها عن نفسه ويجزى بسريرته ، وقول بعضهم : أعوذ بك أن يرى الناس أنّي أخشاك وأنت لي ماقت . وكان من دعاء عليّ بن الحسين عليهما السّلام : « اللَّهمّ إنّي أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون علانيتي وتقبح لك فيما أخلو سريرتي محافظا على رئاء الناس من نفسي ، ومضيّعا لما أنت مطَّلع عليه منّي ، أبدي للناس أحسن أمري وأفضي إليك بأسوء عملي ، تقرّبا إلى الناس بحسناتي ، وفرارا منهم إليك بسيّئاتي فيحلّ بي مقتك ، ويجب عليّ غضبك ، أعذني من ذلك يا ربّ العالمين » وقد قال أحد الثلاثة نفر لأيّوب عليه السّلام : يا أيّوب ألم تعلم أنّ الَّذين حفظوا علانيتهم وأضاعوا سرائرهم عند طلب الحاجات إلى الرّحمن تسودّ وجوههم بالردّ . فهذه جمل آفات الرّياء فليراقب العبد قلبه ليقف عليها ، وفي الخبر « أنّ للرّياء سبعين بابا » [ 1 ] وقد عرفت أنّ بعضه أغمض من بعض حتّى أنّ بعضه مثل دبيب النمل ، وبعضه أخفى من دبيب النمل ، وكيف يدرك ما هو أخفى من دبيب النمل ، إلا بشدة المراقبة والتفقّد ، وليس يدرك إلا بعد بذل المجهود ( 1 ) فكيف يطمع في إدراكه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 204
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٠٤
هامش
( 1 ) في الاحياء « وليته أدرك بعد بذل المجهود » .
[ 1 ] قال العراقي : هكذا ذكر المصنف هذا الحديث هنا وكأنه تصحف عليه أو على من نقله من كلامه أنه « الرباء » بالمثناة وانما هو « الربا » بالموحدة والمرسوم كتابته بالواو ، والحديث رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة بلفظ « الربا سبعون حوبا أيسرها أن ينكح الرجل أمه »
وفي اسناده أبو معشر واسمه نجيح مختلف فيه ، وروى ابن ماجة أيضا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى اللَّه عليه وآله قال : « الربا ثلاثة وسبعون بابا »
واسناده صحيح هكذا ذكر ابن ماجة الحديثين في أبواب التجارات وقد روى البزار حديث ابن مسعود بلفظ « الريا بضع وسبعون بابا والشرك مثل ذلك »
وهذه الزيادة قد يستدل بها على أنه « الرياء » بالمثناة لاقترانه مع الشرك . واللَّه أعلم .