شرح
قلت : الظاهر أنّ المراد من المعتبرتين وأمثالهما بيان الغرض الأصيل والمهمّ من جعل التقية ، وإنّهما لمّا كان الغرض المهمّ منها أن يحقن دماء المسلمين فإذا أُكره على إراقة دم المسلم وخاف من تركه على نفسه أو ماله مثلًا فلا يجوز له ارتكاب هذا الحرام استناداً إلى التقية فإنّه إذا بلغت التقية الدم فلا تقية ، وهذا لا ينافي أن يعمّ أدلَّة التقية خوف ترتّب محاذير أخرى عرضية أو مالية ، كما تضمّنه صحيحة محمّد بن مسلم وزرارة الماضية فإنّ أبا جعفر ( عليه السّلام ) قال فيها : « التقية في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلَّه الله له » ، وهو عامّ لجميع موارد الاضطرار سواء كانت من قبيل الخوف على النفس أو العرض أو المال ، كما لا يخفى .
هذا كلَّه فيما إذا تعلَّق المحذور الذي يجتنب عنه بنفسه أو بمن يكون أمره مربوطاً إليه .
وأمّا إذا علم أو خاف تعلَّق الضرر والمحذور بمن لا يهمّه حفظه من المؤمنين الأباعد فلا يبعد أن يقال : إنّ المفهوم عرفاً من أدلَّة التقية أنّ الشارع تبارك وتعالى جعل رعاية مصالح المؤمنين في أنفسهم أو أعراضهم بل أو أموالهم أهمّ من رعاية العمل بالتكاليف المقرّرة ولذلك أوجب على المكلَّف أن يتّقي الضرر المخوف ويعمل على خلاف ما أوجبه الله عليه لولا التقية ، ومن البديهي أنّه لا فرق في الأهمّية عنده تعالى بين ما يتعلَّق بالمؤمن المبتلى بالتقية وما يتعلَّق بغيره . ويدلّ عليه : أنّه لو ابتلى هذا الغير بهذا المحذور لوجب عليه أيضاً التقية ، وليس هذا إلَّا لما قلناه من أنّ ملاك ارتفاع التكليف ووجوب التقية أهمّية حفظ دم المسلمين وأعراضهم على انحفاظ امتثال تكاليفه تعالى ، وإلى هذا المعنى يشير قولهم ( عليهم السّلام ) : « إنّما