شرح
وفي صحيحة صفوان بن يحيى قال : قلت لأبي الحسن ( عليه السلام ) : أخبرني عن الإرادة من اللّه ومن الخلق ؟ فقال : الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل ، وأمّا من اللّه تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك ; لأنّه لا يروّي ولا يهمّ ولا يتفكّر ، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق ، فإرادة اللّه الفعل لا غير ، يقول له كن فيكون ، بلا لفظ ولا نطق بلسان ، ولا همّة ولا تفكّر ، ولا كيف لذلك ، كما أنّه لا كيف له ( 1 ) ، وظاهر نفي الكيف نفي الابتهاج .
والوجدان أكبر شاهد على أنّ أفعال العباد من الطاعة والعصيان والإيمان والكفر ، كلّها خارجة عن إرادة اللّه ومشيتّه ، بل إرادته ومشيّته ( جلّت عظمته ) قد تعلّقت بتشريع تلك الأفعال على العباد ، وجعل الدنيا دار الابتلاء والامتحان لهم ; ليتميّز الخبيث من الطيّب ، ومن يستمع قول الحقّ ويتّبعه عمّن يعرض عنه وينسى ربَّه ويومَ الحساب ، ويشتغل بالدنيا وغرورها . نعم بما أنّ أفعال العباد تصدر عنهم بحول اللّه وقوّته ، يعني بالقدرة التي أعطاها ربّ العباد إيّاهم ، وأرشدهم إلى ما فيه الرشد والهداية وسعادة دنياهم وعقباهم ، يصحّ أن يسند اللّه ( سبحانه ) أفعال الخير إلى نفسه ، كما في قوله سبحانه : ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمَى ) الآية ( 2 ) ، وقوله سبحانه : ( وَما تَشاءُوْنَ إِلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ ) ( 3 ) ، حيث إنّ كلّ ما يصدر عنّا هو من قبيل تحريك العضلات ، ولكن معطي قوة الحركة ونفس العضلات هو اللّه ( سبحانه ) ، وإذا أمسك قوّتها فلا نتمكّن من الفعل ، فيكون صدور الفعل عنّا باختيارنا وإرادتنا ،
هامش
( 1 ) الكافي : 1 / 109 ، باب الإرادة أنّها من صفات الفعل ، الحديث 3 .
( 2 ) سورة الأنفال : الآية 17 .
( 3 ) سورة الإنسان : الآية 30 .