« إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ( 17 ) » : بيان لما وافقه هذا الجزاء .
« وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ( 28 ) » : تكذيبا . وفعّال بمعنى : تفعيل ، مطرّد شائع في كلام الفصحاء .
وقرئ ( 1 ) بالخفيف ، وهو بمعنى : الكذب ، كقوله :
فصدّقتها وكذّبتها * والمرء ينفعه كذابه
وإنّما أقيم مقام التّكذيب للدّلالة على أنّهم كذّبوا في تكذيبهم ( 2 ) .
أو المكاذبة ، فإنّهم كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين ، فكأنّ بينهم مكاذبة .
أو كانوا مبالغين في الكذب مبالغة المغالبين فيه .
وعلى المعنيين يجوز أن يكون حالا ، بمعنى : كاذبين أو مكاذبين ، ويؤيّده أنّه قرئ ( 3 ) : « كذّابا » وهو جمع كاذب .
ويجوز أن يكون للمبالغة ، فيكون صفة للمصدر ، أي : تكذيبا مفرطا كذبه .
وفي مجمع البيان ( 4 ) : وروى العيّاشي بإسناده عن حمران قال : سألت أبا جعفر - عليه السّلام - عن هذه الآية .
فقال : هذه في الَّذين يخرجون من النّار .
وروى ( 5 ) ، عن الأحول ، مثله .
ورووا ( 6 ) ، عن عليّ - عليه السّلام - : كذبوا بآياتنا كذابا خفيفة . والقراءة المشهورة : « وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً » بالتّثقيل .
أقول : يحتمل أن يكون سقطت في تلك الرّواية لفظة « لا » ، وعلى تقدير عدم السّقوط يحتمل أن يكون خرجت مخرج الإنكار
، كما أنّ الرّواية السّابقة المرويّة عن النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - : لا يخرج من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا
على تقدير أن يكون بيانا لهذه الآية محمول على التّعليق بالمحال ، كقوله ( 7 ) : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ .
هامش
1 - أنوار التنزيل 2 / 534 .
2 - أي : إنّما أقيم الكذاب الَّذي هو بمعنى الكذب ليدلّ على ما ذكر فيكون كذابا .
3 - نفس المصدر والموضع .
4 و 5 و 6 - المجمع 5 / 424 .
7 - الأعراف / 40 .