« إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ » : يميلون عن الاستقامة . « فِي آياتِنا » بالطَّعن والتّحريف والتّأويل الباطل والإلغاء فيها . « لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا » فنجازيهم على إلحادهم .
وفي كتاب الاحتجاج للطَّبرسيّ ( 1 ) - رحمه اللَّه - : عن أمير المؤمنين - عليه السّلام - في حديث طويل ، يقول فيه مجيبا لبعض الزّنادقة : وأمّا ما ذكرته ( 2 ) من الخطاب الدّال على تهجين النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - والإزراء به والتّأنيب له ( 3 ) ، مع ما أظهره اللَّه - تعالى - في كتابه من تفضيله إيّاه على سائر أنبيائه ، فإنّ اللَّه - عزّ وجلّ - جعل لكلّ نبيّ عدوّا من المشركين ، كما قال في كتابه ، وبحسب جلالة منزلة ( 4 ) نبيّنا عند ربّه كذلك عظم ( 5 ) محنته لعدوّه الَّذي عاد منه في حال شقاقه ونفاقه ، وكلّ أذى ومشقّة لدفع نبوّته وتكذيبه إيّاه وسعيه في مكارهه وقصده لنقض كلّ ما أبرمه ، واجتهاده ومن مالأه ( 6 ) على كفره وعناده ونفاقه وإلحاده في إبطال دعواه وتغيير ملَّته ومخالفة سنّته ، ولم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيّه وإيحاشهم منه وصدّهم عنه وإغرائهم بعداوته ، والقصد لتغيير الكتاب الَّذي جاء به وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل وكفر ذوي الكفر ، منه وممّن وافقه على ظلمه وبغيه وشركه .
ولقد علم اللَّه ذلك منهم ، فقال : « إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا » .
وقال ( 7 ) : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ .
ولقد أحضروا الكتاب كملا مشتملا على التّأويل والتّنزيل والمحكم والمتشابه والنّاسخ والمنسوخ لم يسقط منه حرف ألف ولا لام ، فلمّا وقفوا على ما بيّنه اللَّه من أسماء أهل الحقّ والباطل ، وأنّ ذلك إن ظهر نقض ما عقدوه ( 8 ) ، قالوا : لا حاجة لنا فيه ، نحن مستغنون عنه بما عندنا . ولذلك ( 9 ) قال ( 10 ) : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ .
ثمّ دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عمّا لا يعلمون تأويله إلى جمعه وتأليفه
هامش
1 - الاحتجاج / 257 - 258 .
2 - كذا في المصدر . وفي ن : ذكره . وفي سائر النسخ : ذكر تعالى .
3 - أزرى عليه : عابه . والتأنيب : اللَّوم .
4 - ليس في ق ، ش ، م .
5 - ليس في ق .
6 - أي : ساعده وعاونه .
7 - الفتح / 15 .
8 - المصدر : إن ظهر نقص ما عهدوه .
9 - المصدر : كذلك .
10 - آل عمران / 187 .