كرّر نداءهم إيقاظا لهم عن سنة الغفلة ، واهتماما بالمنادى له ، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه .
وعطفه على النّداء الثّاني الدّاخل على « ما » هو بيان لما قبله ولذلك لم يعطف على الأوّل ( 1 ) ، فإنّ ما بعده - أيضا - تفسير لما أجمل فيه تصريحا أو تعريضا أو على الأوّل ( 2 ) .
« تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ » : بدل ، أو بيان فيه تعليل . والدّعاء ، كالهداية في التّعدية « بإلى واللَّام » .
« وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ » : بربوبيّته « عِلْمٌ » .
والمراد : نفي المعلوم ، والإشعار بأنّ الألوهيّة لا بدّ لها من برهان ، واعتقادها لا يصحّ إلَّا عن إيقان .
« وأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) » : المستجمع لصفات الألوهيّة ، من كمال القدرة والغلبة ، وما يتوقّف عليه ( 3 ) من العلم والإرادة ، والتّمكّن من المجازاة ، والقدرة على التّعذيب والغفران .
« لا جَرَمَ » قيل ( 4 ) : « لا » ردّ ( 5 ) لما دعوه إليه . و « جرم » فعل ، بمعنى : حقّ ، وفاعله : « أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا ولا فِي الآخِرَةِ » ، أي : حقّ عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا ، لأنّها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيّتها . أو عدم دعوة مستجابة . أو عدم استجابة دعوة لها .
وقيل ( 6 ) : « جرم » بمعنى : كسب ، وفاعله مستكنّ فيه ، أي : كسب ذلك الدّعاء إليه أن [ لا دعوة له ] ( 7 ) بمعنى : ما حصل من ذلك إلَّا ظهور بطلان دعوته .
وقيل ( 8 ) : فعل من الجرم ، بمعنى : القطع ، كما أنّ بدا من « لا بدّ » فعل من التّبديد ،
هامش
1 - قوله : « ولذلك لم يعطف على الأوّل » لكونه بيانا له .
2 - قوله : « فإنّ ما بعده . . . » ، أي : ما بعد النداء الثالث - أيا - تعيين لما أجمل في النداء الأوّل تصريحا باعتبار أنّ الدّعوة إلى النجاة هي الهداية إلى سبيل الرشاد ، وفي النداء الأوّل تعريض بأنّ قوم فرعون داعون إلى النّار ، وفي الثالث تصريح بذلك التعريض .
3 - في ق زيادة : من عليه .
4 - أنوار التنزيل 2 / 337 .
5 - ق : رادّ .
6 - أنوار التنزيل 2 / 337 .
7 - ليس في ت ، م ، ش ، ى ، ر .
8 - نفس المصدر والموضع .