حال من المستكنّ في الأمر - أي : غير محاسب على منّه وإمساكه ، لتفويض التّصرّف فيه إليك - أو من العطاء . أو صلة له ، وما بينهما اعتراض . فالمعنى : أنّه عطاء جمّ لا يكاد يمكن حصره .
وقيل ( 1 ) : الإشارة إلى تسخير الشّياطين . فالمراد بالمنّ والإمساك : إطلاقهم وإبقاؤهم في القيد .
وفي كتاب علل الشّرائع : حدّثنا أحمد بن يحيى المكتب قال : حدّثنا أحمد بن محمّد الورّاق أبو الطَّيّب قال : حدّثنا عليّ بن هارون الحميريّ [ قال : حدّثنا عليّ بن محمّد بن سليمان النّوفليّ ] ( 2 ) قال : حدّثنا أبي ، عن عليّ بن يقطين قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر - عليه السّلام - : أيجوز أن يكون نبيّ اللَّه بخيلا ؟
قال : لا .
فقلت له : فقول سليمان - عليه السّلام - : « رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي » ما وجهه ؟ وما معناه ؟
فقال : الملك ملكان : ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار النّاس ، وملك مأخوذ من قبل اللَّه - تعالى ذكره - كملك آل إبراهيم ، وملك طالوت وذي القرنين . فقال سليمان : « هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي » أن يقول : إنّه مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار النّاس . فسخّر اللَّه - عزّ وجلّ - له الرّيح تجري بأمره رخاء حيث أصاب . وجعل غدوّها شهرا . [ ورواحها شهرا ] ( 3 ) . وسخّر اللَّه - عزّ وجلّ - له الشّياطين كلّ بنّاء وغوّاص . وعلَّم منطق الطَّير . ومكّن في الأرض . فعلم النّاس في وقته وبعده أنّ ملكه لا يشبه ملك الملوك المختارين من قبل النّاس والمالكين بالغلبة والجور .
قال : فقلت له : فقول رسول اللَّه : « رحم اللَّه أخي سليمان بن داود ، ما كان أبخله ! » .
فقال : لقوله - عليه السّلام - وجهان : أحدهما : ما كان أبخله بعرضه وسوء القول فيه . والوجه الآخر يقول : ما كان أبخله إن كان أراد ما كان يذهب إليه الجهّال .
ثمّ قال - عليه السّلام - : قد واللَّه أوتينا ما أوتي سليمان ، وما لم يؤت سليمان ، وما لم يؤت أحد من الأنبياء ( 4 ) . قال اللَّه - عليه السّلام - عزّ وجلّ - في قصّة سليمان : « هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ
هامش
1 - نفس المصدر والموضع .
2 و 3 - من المصدر .
4 - في المصدر زيادة : من العالمين .