فلمّا فتح اللَّه - تعالى - على نبيّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - مكّة ، قال له : يا محمّد إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ( 1 ) عند مشركي أهل مكّة بدعائك إلى توحيد اللَّه ، فيما تقدّم وما تأخّر . لأنّ مشركي مكّة أسلم بعضهم ، وخرج بعضهم عن مكّة . ومن بقي منهم ، لم يقدر على إنكار التّوحيد عليه إذا دعا النّاس إليه .
فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا ، بظهوره عليهم .
فقال المأمون : للَّه درّك يا أبا الحسن !
« أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا » :
إنكار لاختصاصه - عليه السّلام - بالوحي ، وهو مثلهم أو أدون منهم في الشّرف والرّئاسة ، كقولهم : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 2 ) .
وأمثال ذلك دليل على أنّ مبدأ تكذيبهم لم يكن إلَّا الحسد وقصور النّظر على الحطام الدّنيويّ .
« بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي » : من القرآن أو الوحي - لميلهم إلى التّقليد ، وإعراضهم عن الدّليل - وليس في عقيدتهم ما يبيّتون ( 3 ) به من قولهم : « هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ » . « إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ » .
« بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 ) » : بل لم يذوقوا عذابي بعد . فإذا ذاقوه ، زال شكّهم .
والمعنى : انّهم لا يصدّقون به حتّى يمسّهم العذاب ، فيلجئهم إلى تصديقه .
« أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ( 9 ) » : بل أعندهم خزائن رحمة وفي تصرّفهم ، حتّى يصيبوا بها من شاؤوا ، ويصرفوها عمّن شاؤوا ، فيتخيّروا للنّبوّة بعض صناديدهم ! ؟
والمعنى : انّ النّبوّة عطيّة من اللَّه يتفضّل بها على من يشاء من عباده ، لا مانع له .
فإنّه العزيز - أي : الغالب الَّذي لا يغلب - الوهّاب الَّذي له أن يهب كلّ ما يشاء لمن يشاء .
هامش
1 - الفتح / 1 و 2 . وفي جميع النسخ هنا زيادة :
ويتمّ نعمته .
2 - الزّخرف / 31 .
3 - كذا في أنوار التنزيل 2 / 305 . وفي ن : يبنون .
وفي غرها : يبتون .