فقلت له : كم بقي في بطن الحوت ؟
قال : ثلاثة أيّام . ثمّ لفظه الحوت ، وقد ذهب جلده وشعره . فأنبت اللَّه عليه شجرة من يقطين ، فأظلَّته . فلمّا قوي ، أخذت في اليبس . فقال : يا ربّ شجرة أظلَّتني ، فيبست ! فأوحى اللَّه إليه : يا يونس ، تجزع على شجرة أظلَّتك ، ولا تجزع إلى مائة ألف أو يزيدون من العذاب ؟ !
« فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ ولَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) » :
معطوف على مثله في أوّل السّورة . أمر رسوله أوّلا باستفتاء فريش عن وجه إنكارهم البعث ، وساق الكلام في تقريره ، جاريا لما يلائمه من القصص ، موصولا بعضها ببعض . ثمّ أمر باستفتائهم ( 1 ) عن وجه القسمة حيث جعلوا للَّه البنات ، ولأنفسهم البنين ، في قولهم :
الملائكة بنات اللَّه . وهؤلاء زادوا على الشّرك ضلالات أخر : التّجسيم ، وتجويز البنات على اللَّه تعالى ، فإنّ الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة ، وتفضيل أنفسهم عليه ، حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم ، واستهانتهم بالملائكة ، حيث أنّثوهم . ولذلك كرّر اللَّه - تعالى - إنكار ( 2 ) ذلك وإبطاله في كتابه مرارا ، وجعله ممّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ، وتَنْشَقُّ الأَرْضُ ، وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ( 3 ) : « فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ ولَهُمُ الْبَنُونَ » قال : قالت قريش : إنّ الملائكة بنات اللَّه . فردّ اللَّه عليهم : « فَاسْتَفْتِهِمْ » ( الآية ) .
« أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وهُمْ شاهِدُونَ ( 150 ) » :
وإنّما خصّ علم المشاهدة ، لأنّ أمثال ذلك لا تعلم إلَّا به - فإنّ الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم ، ليمكن معرفته بالعقل الصّرف - مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بانّهم لفرط جهلهم يبتّون به كأنّهم قد شاهدوا خلقهم .
« أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) » « وَلَدَ اللَّهُ » ، لعدم ما يقتضيه ، وقيام ما ينفيه ( 4 ) . « وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 152 ) » فيما يتديّنون به .
وقرئ ( 5 ) : « ولد اللَّه » ، أي : الملائكة ولده ، فعل بمعنى مفعول ، يستوي فيه الواحد
هامش
1 - ن : باستفتائه .
2 - كذا في أنوار التنزيل 2 / 301 . وفي النسخ :
إنكارهم .
3 - تفسير القمّي 2 / 227 .
4 - كذا في أنوار التنزيل 2 / 301 . وفي النسخ :
ينفعه .
5 - نفس المصدر والموضع .