وهو أيضا يحتمل الأمرين .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ( 1 ) : قال عليّ بن إبراهيم - رحمه اللَّه - : ثمّ يقولون في الجنّة : « أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » .
قال : فحدّثني أبي ، عن عليّ بن مهزيار والحسن بن محبوب ، عن النّضر بن سويد ، عن درست ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر - صلوات اللَّه عليه - قال : إذا دخل أهل الجنّة الجنّة ، وأهل النّار النّار ، جيء بالموت ، فيذبح كالكبش ، بين الجنّة والنّار . ثمّ يقال :
خلود ، فلا ( 2 ) موت أبدا ! فيقول أهل الجنّة : « أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ » .
« أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) » : شجرة ثمرتها نزل أهل النّار .
وانتصاب « نزلا » على التّمييز ، أو الحال . وفي ذكره دلالة على أنّ ما ذكر من النّعيم لأهل الجنّة ، بمنزلة ما يقام للنّازل ، ولهم ما وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام . وكذلك الزّقّوم لأهل النّار . وهو اسم شجرة صغيرة الورق منتنة الرّائحة مرّة ، تكون بتهامة . سمّيت بها الشّجرة الموصوفة .
« إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) » : محنة وعذابا لهم في الآخرة ، وابتلاء في الدّنيا . فإنّهم لمّا سمعوا أنّها في النّار ، قالوا : كيف ذلك والنّار تحرق الشّجر ؟ ! ولم يعلموا أنّ من قدر على خلق ما يعيش في النّار ويتلذّذ بها ، فهو أقدر على خلق الشّجر في النّار وحفظه من الإحراق .
وفي مجمع البيان ( 3 ) : روي أنّ قريشا لمّا سمعت هذه الآية ، قالت ما نعرف هذه الشّجرة ! قال ابن الزّبعريّ : الزّقّوم بكلام البربر التّمر والزّبد - وفي رواية : بلغة اليمن .
فقال أبو جهل لجاريته : يا جارية زقّمينا ( 4 ) . فأتته الجارية بتمر وزبد . فقال لأصحابه :
تزقّموا بهذا الَّذي يخوّفكم به محمّد ، فيزعم أنّ النّار تنبت الشّجر ، والنّار تحرق الشّجر ! فأنزل اللَّه - تعالى - : « إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ » .
وقد روي ( 5 ) أنّ اللَّه يجوّعهم حتّى ينسوا عذاب النّار من شدّة الجوع . فيصرخون إلى
هامش
1 - تفسير القمّي 2 / 223 .
2 - كذا في المصدر . وفي النسخ : بلا .
3 - المجمع 4 / 446 .
4 - أي : أطعمينا الزّقّوم .
5 - نفس المصدر والموضع .