وفي مجمع البيان ( 1 ) : قيل : نزل قوله : « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ » في أبي طالب .
فإنّ النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - كان يحبّ إسلامه ، فنزلت هذه الآية . وكان يكره إسلام وحشيّ قاتل حمزة ، فنزلت فيه : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ ( 2 ) اللَّهِ ( الآية ) فلم يسلم أبو طالب وأسلم وحشيّ . ورووا ذلك عن ابن عبّاس وغيره .
وفي هذا نظر كما ترى . فإنّ النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - لا يجوز أن يخالف اللَّه - سبحانه - في إرادته كما لا يجوز أن يخالف أوامره ( 3 ) ونواهيه . وإذا كان اللَّه - تعالى - على ما زعم القوم لم يرد إيمان أبي طالب وأراد كفره ، وأراد النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - إيمانه ، فقد حصل غاية الخلاف بين إرادتي الرّسول والمرسل . وكان - سبحانه - يقول على مقتضى اعتقادهم : إنّك يا محمّد ، تريد إيمانه . وأنا لا أريد إيمانه . ولا أخلق فيه الإيمان مع تكفّله بنصرتك ، وبذل مجهوده في إعانتك ، والذّبّ عنك ، ومحّبته لك ، ونعمته عليك .
وتكره أنت إيمان وحشيّ ، لقتله حمزة عمّك . وأنا أريد إيمانه ، وأخلق في قلبه الإيمان .
وفي هذا ما فيه . وقد ذكرنا في سورة الأنعام : أنّ أهل البيت - عليهم السّلام - قد أجمعوا ، على أنّ طالب مات مسلما . وقد تظاهرت الرّوايات بذلك عنهم . وأوردنا هناك طرفا من أشعاره الدّالَّة على تصديقه للنّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - توحيده . فإنّ استيفاء جميعه ، لا يتّسع له الطوامير . وما روى من ذلك في كتب المغازي وغيرها أكثر من أن يحصى ، يكاشف فيها من كاشف النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - ويناضل عنه ويصحّح نبوّته .
وقال بعض الثّقاة : أنّ قصائده في هذا المعنى الَّتي تنفث في عقد السّحر وتغبر في وجه شعراء الدّهر ، تبلغ قدر مجلَّد وأكثر من هذا ولا شكّ في أنّه لم يختر تمام مجاهرة الأعداء ، استصلاحا لهم ، وحسن تدبيره في دفع كيادهم . لئلَّا يلجئوا الرّسول إلى ما ألجأوه إليه بعد موته .
وفي جوامع الجامع ( 4 ) : وقالوا : إنّ الآية في نزلت في أبي طالب .
وقد ورد عن أئمّة الهدى - عليهم السّلام - : أنّ أبا طالب مات مسلما .
وأجمعت الإماميّة على ذلك . وأشعاره مشحونة بالإسلام ، وتصديق النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - .
« ولكِنَّ اللَّهً يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » : فيدخله في الإسلام .
هامش
1 - مجمع البيان 4 / 259 - 260 .
2 - الزمر / 53 .
3 - المصدر : يخالفه في أوامره .
4 - جوامع الجامع / 347 .