يأكله . لأنّه كان يأكل بقلة الأرض . ولقد كانت خضرة البقول ترى من شفيف صفاق بطنه ، لهزاله وتشذّب ( 1 ) لحمه .
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة ( 2 ) ، متّصلا بقوله : « أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ » - آخر ما نقلنا عنه سابقا - « وجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ » فخرج من مصر بغير ظهر ولا دابّة ولا خادم . تخفضه أرض وترفعه أخرى ، حتّى انتهى إلى أرض مدين .
فانتهى إلى أصل شجرة فنزل ، فإذا تحتها بئر ، وإذا عندها أمّة من النّاس يسقون ، وإذا جاريتان ضعيفتان ، وإذا معهما غنيمة لهما .
قال : « ما خَطْبُكُما قالَتا » : أبونا شيخ كبير ، ونحن جاريتان ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرّجال ، فإذا سقى النّاس سقينا . فرحمهما موسى - عليه السّلام - فأخذ دلوهما وقال لهما :
قدّما غنمكما . فسقى لهما . ثمّ رجعتا بكرة قبل النّاس . ثمّ تولَّى موسى إلى الشّجرة ، فجلس تحتها ، وقال : « رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ » فروي : أنّه قال ذلك ، وهو محتاج إلى شقّ تمرة .
فلمّا رجعتا إلى أبيهما قال : ما أعجلكما في هذه السّاعة ! قالتا : وجدنا رجلا صالحا رحمنا ، فسقى لنا .
فقال لإحديهما : اذهبي فادعيه لي .
« فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ » ، أي : مستحية ، على عادة النّساء المخدّرات .
وقيل ( 3 ) : أراد باستحيائها ، أنّها عظَّت وجهها بكمّ ورعها .
قيل ( 4 ) : كانت الصّغرى منهما . وقيل : الكبرى . واسمها صفوراء ، أو صفراء . وهي الَّتي تزوّجها موسى .
« قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ » : ليكافئك .
« أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا » : جزاء سقيك لنا . ولعلّ موسى إنّما أجابها ليتبرّك برؤية
هامش
1 - تشذّب اللَّحم : تفرّقه .
2 - كمال الدين وتمام النعمة / 150 .
3 - مجمع البيان 4 / 248 .
4 - أنوار التنزيل 2 / 191 .