وكان ابن عرفة ( 1 ) الكنانيّ رمى سعد بن معاذ - رحمة اللَّه - بسهم في الخندق فقطع أكحله ، فنزفه الدّم . فقبض سعد على أكحله بيده ، ثمّ قال : اللَّهمّ ، إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فلا أحد أحبّ إليّ من محاربتهم من قوم حاربوا ( 2 ) اللَّه ورسوله .
وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - وبين قريش فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتّى تقرّ عيني من بني قريظة . فأمسك الدّم ، وتورّمت يده .
وضرب له رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - في المسجد خيمة ، وكان يتعاهده بنفسه . فأنزل اللَّه - عزّ وجلّ - : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وجُنُوداً لَمْ تَرَوْها ، وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً . إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ » ، يعني : بني قريظة حين عذروا وخافوهم أصحاب رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - « وإِذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ » إلى قوله : « إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً » وهم الذّين قالوا لرسول اللَّه : تأذن لنا نرجع إلى منازلنا ، فإنّها في أطراف المدينة ونخاف اليهود عليها . فأنزل اللَّه - عزّ وجلّ - فيهم : « إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً » إلى قوله - تعالى - : « وكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً » ونزلت هذه الآية في الثّاني لمّا قال لعبد الرّحمن بن عوف : هلمّ ندفع محمّدا - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - إلى قريش ونلحق نحن بقومنا .
« هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ » : اختبروا . فظهر المخلص من المنافق والثّابت من المتزلزل .
« وزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ( 11 ) » : من شدّة الفزع .
وقرئ : « زلزالا » بالفتح ( 3 ) .
وفي كتاب الاحتجاج ( 4 ) ، للطَّبرسيّ - رحمه اللَّه - : عن أمير المؤمنين - عليه السّلام - حديث طويل . يقول فيه - عليه السّلام - : أمّا إنّه سيأتي على النّاس زمان يكون الحقّ فيه مستورا والباطل ظاهرا مشهورا . وذلك إذا كان أولى النّاس به أعدائهم له ، واقترب الوعد الحقّ ، وعظم الإلحاد ، وظهر الفساد « هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً » ونحلهم
هامش
1 - المصدر : ابن فرقد .
2 - المصدر : حادوا .
3 - أنوار التنزيل 2 / 240 .
4 - الاحتجاج 1 / 373 .