وفي إرشاد المفيد - رحمه اللَّه - ( 1 ) من كلام أمير المؤمنين - عليه السّلام - لرجل سمعه يذمّ الدّنيا من غير معرفة بما يجب أن يقول في معناها : الدّنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، مسجد أنبياء اللَّه ، ومهبط وحيه ، ومصلَّى ملائكته ومتجر أوليائه . اكتسبوا فيها الرّحمة . وربحوا فيها الجنّة . فمن ذا لذمّها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها ، ونعت نفسها . فشوّقت بسرورها إلى السّرور ، و [ حذّرت ] ( 2 ) ببلائها إلى البلاء تخويفا وتحذيرا وترغيبا وترهيبا . فيا أيّها الذّامّ للدّنيا والمعتل ( 3 ) بتغريرها ، متى غرّتك ؟ أبمصارع آبائك في البلاء ، أم بمصارع ( 4 ) أمّهاتك تحت الثّرى ؟ كم علَّلت بكفّيك ومرّضت بيديك ، تبتغى لهم الشّفاء وتستوصف لهم الأطبّاء وتلتمس لهم الدّوا ؟ لم تنفعهم بطلبك ولم تشفعهم بشفاعتك .
قد مثلت لك الدّنيا بهم مصرعك ومضجعك ، حيث لا ينفعك بكاؤك ولا يغني عنك أحبّاؤك .
وفي أصول الكافي ( 5 ) ، بإسناده إلى محمّد بن مسلم بن شهاب قال : سألت عليّ بن الحسين - عليهما السلام - : أيّ الأعمال أفضل عند اللَّه - عزّ وجلّ - ؟
فقال : ما من عمل بعد معرفة اللَّه - عزّ وجلّ - ومعرفة رسول أفضل من بغض الدّنيا .
وأنّ لذلك لشعبا كثيرة ، وللمعاصي شعبا . فأوّل ما عصي اللَّه به الكبر . وهي معصية إبليس حين أَبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الْكافِرِينَ . ( 6 ) [ والحرص ] ( 7 ) وهي معصية آدم وحوّاء ، حين قال اللَّه - عزّ وجلّ - : لهما ( 8 ) فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ .
فأخذا ما لا حاجة بهما إليه ، فدخل على ذرّيتهما إلى يوم القيامة . وذلك أنّ أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه . ثمّ الحسد وهي معصية ابن آدم ، حين حسد أخاه فقتله . فتشعّب من ذلك حبّ النّساء ، وحبّ الدّنيا ، وحبّ الرئاسة ، وحبّ الرّاحة ، وحب الكلام ، وحب العلوّ والثّروة . فصرن سبع خصال . فاجتمعت ( 9 ) كلَّهنّ في حبّ الدّنيا . فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك : « حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة . » والدّنيا دنياآن : دنيا بلاغ ودنيا ملعونة . ( 10 )
هامش
1 - الإرشاد / 157 .
2 - من المصدر .
3 - المصدر : المغترّ .
4 - المصدر : بمضاجع .
5 - الكافي 2 / 130 - 131 ، ح 11 .
6 - البقرة / 34 .
7 - ليس في المصدر .
8 - البقرة / 35 .
9 - م والمصدر : فاجتمعن .
10 - هكذا في المصدر م ون . وفي سائر النسخ :