الخلل في أمورهم ومعاملاتهم ، وما يحتاجون إلى النّظر فيه من أمر دينهم ، وما روى لهم ممّا لا يسعهم جهله . ولعلَّك تظنّ أنّها ممّا يخلص إليه بالحيلة والفطنة ، وليس ممّا أعطيه الإنسان من خلقه وطباعه .
وكذلك الكلام . إنّما هو شيء يصطلح عليه النّاس ، فيجري بينهم . ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة بألسن مختلفة . وكذلك بالكتابة ، ككتابة العربيّ والسّريانيّ والعبرانيّ والرّوميّ وغيرها من سائر الكتابة الَّتي هي متفرّقة في الأمم إنّما اصطلحوا عليها ، كما اصطلحوا على الكلام . فيقال لمن ادّعى ذلك : إنّ الإنسان وإن كان له في الأمرين جميعا فعل أو حيلة ، فانّ الشيء الَّذي يبلغ به ذلك الفعل والحيل عطيّة وهبة من اللَّه - عزّ وجلّ - له في خلقه . فإنّه لو لم يكن له لسان مهيّا للكلام وذهن يهتدي به للأمور لم يكن ليتكلَّم أبدا . و [ ولو لم يكن له كفّ مهيّأة وأصابع لكتابة ، لم يكن ليكتب أبدا . و ] ( 1 ) اعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة . فأصل ذلك فطرة البارئ - جلّ وعزّ - وما تفضّل به على خلقه . فمن شكر أثيب . ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهً غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 2 ) .
وفي بصائر الدّرجات ( 3 ) : أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن حمّاد بن عبد اللَّه الفرّاء ، عن معتب أنّه أخبره : أنّ أبا الحسن الأوّل لم يكن يرى له ولد . فأتاه يوما إسحاق ومحمّد أخواه ، وأبو الحسن يتكلَّم بلسان ليس بعربي . فجاء غلام سقلابيّ ، فكلَّمه بلسانه .
فذهب فجاء بعليّ ابنه ، فقال لإخوته : هذا عليّ ابني . فضموه إليه واحدا بعد واحد فقبّلوه .
ثمّ كلَّم الغلام بلسانه . فذهب به ثمّ تكلَّم بلسان غير ذلك اللَّسان . فجاء غلام أسود فكلَّمه بلسانه . فذهب فجاء بإبراهيم فقال : هذا إبراهيم ابني فكلَّمه بكلام . فجمله فذهب به . فلم يزل يدعو بغلام بعد غلام ويكلَّمهم ، حتّى جاء بخمسة أولاد . والغلمان مختلفون في أجناسهم وألسنتهم .
محمّد بن عيسى ، عن عليّ بن مهزيار ( 4 ) قال : أرسلت إلى أرسلت إلى أبي الحسن - عليه السّلام - غلامي ، وكان سقلابيّا . قال : فرجع الغلام إليّ متعجّبا .
فقلت له : ما لك يا بنيّ ؟
قال : كيف لا أتعجّب ؟ ! ما زال يكلَّمني بالسّقلابيّة ، كأنّه واحد منّا . فظننت
هامش
1 - من المصدر .
2 - آل عمران / 97 .
3 - بصائر الدرجات / 333 ، ح 2 .
4 - نفس المصدر والموضع ، ح 3 .