قال : فقال : يا أبا عبيدة إنّ لهذا تأويلا لا يعلمه إلَّا اللَّه والرّاسخون في العلم من آل محمّد - عليهم السّلام - إنّ رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - لمّا هاجر إلى المدينة وأظهر الإسلام ، كتب إلى ملك الرّوم كتابا وبعث به مع رسول يدعوه إلى الإسلام . وكتب إلى ملك فارس كتابا يدعوه إلى الإسلام ، وبعثه إليه مع رسوله . فأمّا ملك الرّوم ، فعظَّم كتاب رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - وأكرم رسوله . وأمّا ملك فارس ، فإنّه استخفّ بكتاب رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - ومزّقه واستخفّ برسوله .
وكان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الرّوم . وكان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الرّوم ملك فارس . وكانوا لناحيته أرجى منهم لملك فارس . فلمّا غلب ملك فارس ملك الرّوم ، كره ذلك المسلمون فاغتمّوا به . فأنزل اللَّه - عزّ وجلّ - بذلك كتابا قرآنا : « ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ » ، يعني : غلبتها فارس في أدنى الأرض . وهي الشّامات وما حولها . « وهُمْ » ، يعني : وفارس « مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ » الرّوم « سَيَغْلِبُونَ » ، يعني : يغلبهم المسلمون . [ « فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ » فلما غزا المسلمون ] ( 1 ) فارس وافتتحوها فرح المسلمون بنصر اللَّه - عزّ وجلّ - .
قال : قلت : أليس اللَّه - عزّ وجلّ - يقول : « فِي بِضْعِ سِنِينَ » وقد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - وفي إمارة أبي بكر ، وإنّما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر ؟
فقال : ألم أقل لك : إنّ لهذا تأويلا وتفسيرا ؟ والقرآن - يا أبا عبيدة - ناسخ ومنسوخ . أما تسمع لقول اللَّه - عزّ وجلّ - : « لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ » ، يعني : إليه المشيئة في القول . أن يؤخّر ما قدّم ، ويقدّم ما أخّر في القول إلى يوم يحتم القضاء بنزول النّصر فيه على المؤمنين . وذلك قوله - عزّ وجلّ - : « ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ » ، أي : يوم يحتم القضاء بالنّصر .
وفي شرح الآيات الباهرة ( 2 ) : قال محمّد بن العبّاس حدّثنا الحسن بن محمّد بن جمهور القمّيّ ، عن أبيه ، عن جعفر بن بشير ، عن الوشّاء ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللَّه - عليه السّلام - قال : سألته عن تفسير « ألم غُلِبَتِ الرُّومُ » قال : هم بنو أميّة . وإنّما أنزلها اللَّه - عزّ وجلّ - ألم غلبت الروم بنو أمية في أدنى
هامش
1 - ليس في أ .
2 - تأويل الآيات الباهرة ، مخطوط ، ص 156 .