والاستسلام إليه ( 1 ) ، أمورا خاصّة لا يشوبها من غيرها مشائبة . وكلَّما كانت البلوى والاختبار أعظم ، كانت المثوبة والجزاء أجزل .
ألا ترون أنّ اللَّه - جلّ ثناؤه - اختبر الأوّلين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار ما تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع فجعلها بيته الحرام ، الَّذي جعله للنّاس قياما .
ثمّ جعله بأوعر بقاع الأرض حجرا ، وأقل نتائق الدّنيا مدرا ، وأضيق بطون الأودية معاشا ، وأغلظ محالّ المسلمين [ مياها . بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرئ منقطعة ، وأثر من مواضع قطر السّماء وأثر ليس يزكو به خفّ ولا ظلف ] ( 2 ) ولا حافر . ثمّ أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه . فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، وتهوي إليه ثمار الأفئدة في مغاوز قفار متّصلة وجزائر بحار منقطعة ومهاوي فجاج عميقة . حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا . يهلَّلون اللَّه ( 3 ) حوله . ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له . قد نبذوا القنع والسّراويل وراء ظهورهم وحسروا بالصعود ( 4 ) حلقا عن رؤوسهم ، ابتلاء عظيما واختيارا كبيرا وامتحانا شويدا وبليغا وقنوتا مبينا . جعله اللَّه سببا لرحمته ، ووصلة ( 5 ) [ ووسيلة ] ( 6 ) جنّته ، وعلَّة لمغفرته ، وابتلاء للخلق برحمته .
فلو كان اللَّه - تعالى - وضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنّات وأنهار وسهل وقرار جمّ الأشجار داني الثّمار ملتفّ النبات متّصل القرى من برّة سمراء وروضة خضراء وأرياف محدقة وعراض ( 7 ) مغدقة وزروع ناضرة وطرق عامرة وحدائق كثيرة ، لكان قد صغر الجزاء على حسب ضعف البلاء . ثمّ لو كانت الأساس المحمول عليها أو الأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء وياقوتة حمراء ونور وضياء ، لخفّف مصارعة الشّك ( 8 ) في الصّدور ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ولنفي معتلج الرّيب من النّاس . ولكنّ اللَّه - عزّ وجلّ - يختبر عبيده بأنواع الشّدائد ويتعبّدهم بألوان المجاهدة . ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتّكبّر من
هامش
1 - المصدر : لطاعته .
2 - ليس في أ .
3 - هكذا في المصدر . وفي النسخ : « اللَّه » بدل « يهللون للَّه . »
4 - ن ، والمصدر : بالشعور .
5 - ليس في المصدر .
6 - من ن والمصدر .
7 - المصدر : أعراض .
8 - هكذا في المصدر ، ون . وفي سائر النسخ :
الشكر .