وفي إرشاد المفيد - رحمه اللَّه - ( 1 ) وقد جاءت الرّواية : أنّه لمّا تمّ لأبي بكر ما تمّ وبايعه من بايع ، جاء رجل إلى أمير المؤمنين - عليه السّلام - وهو يسوّي قبر رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - بمسحاة في يده ، وقال له : إنّ القوم قد بايعوا أبا بكر ، ووقعت الخذلة في الأنصار ( 2 ) لاختلافهم ، وبدر الطَّلقاء للعقد ( 3 ) للرّجل خوفا من إدراككم الأمر . فوضع طرف المسحاة على الأرض ( 4 ) ويده عليها ، ثمّ قال : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ » .
وفي الكافي ( 5 ) : روي أنّ أمير المؤمنين - عليه السّلام - قال في خطبة له : ولو أراد اللَّه - سبحانه - بأنبيائه - حيث بعثهم - أن يفتح لهم كنوز الذّهبان ومعادن البلدان ( 6 ) ومغارس الجنان وأن يحشر طير السّماء ووحش الأرض معهم ، لفعل . ولو فعل لسقط البلاء واضمحلّ الجزاء ( 7 ) وبطل الابتلاء ( 8 ) ولما وجب للقائلين ( 9 ) أجر المبتلين ( 10 ) ولا لحق المؤمنين ثواب المحسنين . ولا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبيّن . ولذلك لو أنزل اللَّه مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ . ( 11 ) ولو فعل لسقط البلوى عن النّاس أجمعين . ولكنّ اللَّه - جلّ ثناؤه - جعل رسله أولي قوّة في عزائم نيّاتهم ، وضعفه فيما ترى الأعين من حالاتهم . من قناعة تملأ القلوب والعيون غناؤه ، وخصاصة تملأ الأسماع والأبصار أداؤه .
ولو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام وعزّة لا تضام وملك يمدّ نحوه أعناق الرّجال ويشدّ إليه عقد الرّجال ، لكان أهون على الخلق في الاختبار وأبعد لهم في الاستكبار . ولأمنوا عن رهبة ( 12 ) قاهرة لهم أو رغبة ( 13 ) مائلة بهم . فكانت النّيّات ( 14 ) مشتركة والحسنات مقتسمة .
ولكنّ اللَّه أراد أن يكون الاتّباع لرسله والتّصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لأمره
هامش
1 - الإرشاد / 101 - 102 .
2 - المصدر : للأنصار .
3 - المصدر : بالعقد .
4 - هكذا في المصدر . وفي النسخ : في الأرض .
5 - الكافي 4 / 198 - 201 ، ح 2 .
6 - المصدر : معادن العقيان .
7 - المصدر ون : بطل الجزاء .
8 - المصدر : اضمحلَّت الأنباء وفي ن : اضمحلّ الابتلاء .
9 - « القائلين » من القيلولة ، يعني : لو لم يكن ابتلاء لكانوا مستريحين ، فلا ينالون أجور المبتلين .
10 - أجور المبتلين .
11 - الشعراء / 4 .
12 - هكذا في المصدر . وفي النسخ : رغبة .
13 - هكذا في المصدر . وفي النسخ : رهبة .
14 - ن : السيئات .