« وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ » :
كرّره في مواضع ( 1 ) لكونه مقدّمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحالّ ، وهاهنا لمّا شنّع على المفتخرين واستقبح صنيعهم قرّر ذلك بأنّه من سنن إبليس . أو لمّا بيّن حال المغرور بالدّنيا والمعرض عنها ، وكان سبب الاغترار بها حبّ الشّهوات وتسويل الشّيطان ، زهّدهم أوّلا في زخارف الدّنيا ( 2 ) بأنّها عرضة الزّوال ، والأعمال الصّالحة خير وأبقى من أنفسها وأعلاها ، ثمّ نفّرهم عن الشّيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة ، وهذا مذهب كلّ تكرير في القرآن .
« كانَ مِنَ الْجِنِّ » : حال بإضمار « قد » . أو استئناف للتّعليل ، كأنّه قيل ما له لم يسجد ؟ فقيل : كان من الجنّ .
وفي عيون الأخبار ( 3 ) ، في باب ما جاء عن الرّضا - عليه السّلام - في هاروت وماروت ، وفيه بعد أن مدح - عليه السّلام - الملائكة وقال : معاذ اللَّه من ذلك ، إنّ الملائكة معصومون محفوظون من الكفر والقبائح بألطاف اللَّه - تعالى - .
قالا : قلنا له : فعلى هذا لم يكن إبليس - أيضا - ملكا ؟
فقال : لا ، بل كان من الجنّ ، أما تسمعان اللَّه - تعالى - يقول : « وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ » فأخبر - عزّ وجلّ - أنّه كان من الجنّ ، وهو الَّذي قال اللَّه - تعالى - : والْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ .
وفي أصول الكافي ( 4 ) : عنه ، عن أبيه ، عن فضالة ، عن داود بن فرقد ، عن أبي عبد اللَّه - عليه السّلام - قال : إنّ الملائكة [ كانوا ] ( 5 ) يحسبون أن إبليس منهم ، وكان في علم اللَّه أنّه ليس منهم ، فاستخرج ما في نفسه بالحميّة والغضب فقال : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ .
وفي تفسير العيّاشي ( 6 ) : عن جميل بن درّاج ، عن أبي عبد اللَّه - عليه السّلام - قال : سألته عن إبليس ، أكان من الملائكة ، وهل كان يلي من أمر السّماء شيئا ؟
هامش
1 - كسورة البقرة والأعراف والإسراء .
2 - ليس في أ ، ب .
3 - العيون 1 / 210 ، ح 1 .
4 - الكافي 2 / 308 ، ح 6 .
5 - من المصدر .
6 - تفسير العيّاشي 2 / 328 ، ح 37 .