توديع ومتاركة ، ومقابلة للسّيّئة بالحسنة . أي : لا أصيبك ( 1 ) بمكروه ، ولا أقول لك بعد ما يؤذيك ، ولكن « سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي » . لعلَّه يوفّقك للتّوبة والإيمان . فإنّ حقيقة الاستغفار للكافر ، الدّعاء بالتّوفيق لما يوجب مغفرته .
« إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) » : بليغا في البرّ والألطاف .
« وأَعْتَزِلُكُمْ وما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » بالمهاجرة بديني . « وأَدْعُوا رَبِّي » وأعبده وحده .
« عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) » : خائبا ضائع السّعي مثلكم في دعاء آلهتكم .
وفي تصدير الكلام ب « عسى » التّواضع وهضم النّفس ، والتّنبيه على أنّ الإجابة والإثابة تفضّل غير واجب ، وأنّ ملاك الأمر خاتمته ، وهو غيب .
في كتاب علل الشّرائع ( 2 ) بإسناده إلى ابن مسعود قال : احتجّوا في مسجد الكوفة ، فقالوا : ما بال أمير المؤمنين - عليه السّلام - لم ينازع الثّلاثة ، كما نازع طلحة والزّبير وعائشة ومعاوية ! ؟
فبلغ ذلك عليّا - عليه السّلام . فأمر أن ينادى : الصّلاة جامعة ( 3 ) . فلمّا اجتمعوا ، صعد المنبر . فحمد اللَّه ، وأثنى عليه . ثمّ قال : معاشر النّاس ! إنّه بلغني عنكم كذا وكذا .
قالوا : صدق أمير المؤمنين . قد قلنا ذلك .
قال : إنّ ( 4 ) لي بسنّة من ( 5 ) الأنبياء أسوة فيما فعلت . قال اللَّه - تعالى - في محكم ( 6 ) كتابه ( 7 ) : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .
قالوا : ومن هم يا أمير المؤمنين ؟
قال : أوّلهم إبراهيم - عليه السّلام - إذ قال لقومه : « وأَعْتَزِلُكُمْ وما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » . فإن قلتم : إنّ إبراهيم اعتزل قومه لغير مكروه أصابه منهم ، فقد كفرتم . وإن قلتم :
اعتزلهم لمكروه رآه منهم ، فالوصيّ أعذر .
والحديث طويل . أخذت منه موضع الحاجة .
هامش
1 - ليس في ع .
2 - العلل / 148 - 149 ، ح 7 .
3 - كذا في المصدر . وفي النسخ : الجامعة .
4 - المصدر : فإنّ .
5 و 6 - ليس في المصدر .
7 - الأحزاب / 21 .