ثمّ ثبّطَّه عمّا كان عليه ، بأنّه مع خلوّه عن النّفع ، مستلزم للضّرّ . فإنّه في الحقيقة عبادة الشّيطان من حيث إنّه الآمر به . فقال :
« يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ » :
استهجن ذلك . وبيّن وجه الضّرّ فيه ، بأنّ الشّيطان مستعص على ربّك المولى المنعم بقوله : « إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) » . ومعلوم أنّ المطاوع للعاصي عاص . وكلّ عاص حقيق بأن تستردّ منه النّعم ، وينتقم منه . ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجرّ إليه ، فقال :
« يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) » : قرينا في اللَّعن والعذاب ، تليه ويليك . أو : ثابتا في موالاته ، فإنّه أكبر من العذاب . كما أنّ رضوان اللَّه أكبر من الثواب .
وذكر الخوف والمسّ ، وتنكير العذاب ، إمّا للمجاملة ، أو لخفاء العاقبة .
ولعلّ اقتصاره على عصيان الشّيطان من جناياته ، لارتقاء همّته في الرّبّانيّة . أو لأنّه ملاكها . أو لأنّه من حيث إنّه نتيجة ( 1 ) معاداته لآدم وذرّيّته ومنبّه عليها .
« قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ » :
قابل استعطافه ولطفه في الإرشاد ، بالفظاظة وغلظة العناد . فناداه باسمه ، ولم يقابل « يا أبت » ب : « يا بنيّ » . وأخّره ، وقدّم الخبر على المبتدأ وصدّره بالهمزة ، لإنكار نفس الرّغبة على ضرب من التّعجّب ، كأنّها ممّا لا يرغب عنها عاقل . ثمّ هدّده فقال :
« لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ » عن مقالك فيها أو الرّغبة [ عنها ] ( 2 ) « لأَرْجُمَنَّكَ » بلساني ، يعني الشّتم والذّمّ . أو : بالحجارة ، حتّى تموت ، أو تبعد منّيّ .
« واهْجُرْنِي » :
عطف على ما دلّ عليه « لأرجمنّك » . أي : فاحذرني ، واهجرني .
« مَلِيًّا ( 46 ) » : زمانا طويلا . من الملاوة . أو مليا بالذّهاب عنّي .
« قالَ » إبراهيم :
« سَلامٌ عَلَيْكَ » :
هامش
1 - من ع .
2 - من أنوار التنزيل 2 / 35 .