المسجد ، فإذا فرغتم من ذلك أخذتم من الذّهب والفضّة على قدره ، ثمّ قطَّعتموه مثل قلامة الظَّفر ، ثمّ خلطتموه مع ذلك الكبس ، وعملتم له خشبا من نحاس وصفائح من نحاس تذوّبون ذلك وأنتم متمكّنون من العمل كيف شئتم وأنتم على أرض مستوية ، فإذا فرغتم من ذلك دعوتم المساكين لنقل ذلك التّراب ، فيسارعون فيه لأجل ما فيه من الذّهب والفضّة .
فبنوا المسجد ، وأخرج المساكين ذلك التّراب وقد استقلّ السّقف واستغنى المساكين ، فجنّدهم أربعة أجناد ، في كلّ جند عشرة آلاف ونشرهم في البلاد .
« ووَجَدَ عِنْدَها » : عند تلك العين « قَوْماً » .
قيل ( 1 ) : كان لباسهم جلود الوحش وطعامهم ما لفظه البحر ، وكانوا كفارا ، فخيّره اللَّه بين أن يعذّبهم أو يدعوهم إلى الإيمان ، كما حكى بقوله : « قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ » ، أي : بالقتل على كفرهم ، « وإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ( 86 ) » :
بالإرشاد وتعلَّم الشّرائع .
وقيل ( 2 ) : خيّره بين القتل والأسر ، وسمّاه إحسانا في مقابلة القتل .
ويؤيّد الأوّل قوله ( 3 ) : « قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً ( 87 ) » ، أي : فاختار الدّعوة ، وقال : أمّا من دعوته وظلم نفسه بالإصرار على كفره واستمرّ على ظلمه ، الَّذي هو الشّرك ، فنعذّبه أنا ومن معي في الدّنيا بالقتل ، ثمّ يعذّبه اللَّه في الآخرة عذابا منكرا لم يعهد مثله . « وأَمَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً » وهو ما يقتضيه الإيمان « فَلَهُ » : في الدّارين « جَزاءً الْحُسْنى » : فعلته الحسنى .
وقرأ ( 4 ) حمزة والكسائيّ ويعقوب وحفص : « جزاء » منوّنا منصوبا على الحال ، أي : فله [ المثوبة الحسنى مجزيا بها . أو على المصدر لفعله المقدّر حالا ، أي : يجزى بها جزاء . أو التمييز ( 5 ) ] ( 6 ) .
وقرئ ( 7 ) : منصوبا غير منوّن ، على أنّ تنوينه حذف لالتقاء السّاكنين . ومنوّنا
هامش
1 - أنوار التنزيل 2 / 24 .
2 - نفس المصدر والموضع .
3 - وجه التأييد أنّه يعلم من الكلام أن بعضهم آمن ولا يكون إلَّا بعد الدعوة ، ففهم منه اختيار الدعوة حتّى يظهر إصرار البعض وإيمان آخرين .
4 - أنوار التنزيل 2 / 24 .
5 - كذا في المصدر . وفي النسخ : أو به جزاء أو التميز .
6 - من الهامش .
7 - نفس المصدر والموضع .