غير قاصد إلى مدلوله ( 1 ) .
شرح
بمضمون العقد وطيب النفس به ، في قبال الإكراه ، وليس الاختيار هنا بمعنى إرادة مدلول العقد ، فالمكره قاصد لكلّ من اللفظ ومعناه ، والإنشاء والمنشأ . وهذا ربما ينافيه ما ذكره الشهيدان وغيرهما من انتفاء قصد المضمون في المكره ، وإنّما يقصد الألفاظ المعرّاة عن المعاني ، ويتلفظ بها تخلَّصا من وعيد المكره . فقوله في مقام الإنشاء : « بعت » ليس معناه « ملَّكتك كذا بكذا » بل هو مجرّد لفظ تلفّظ به دفعا للمفسدة المتوعد بها .
هذا ما لعلَّه يظهر من كلامهما بالنظر البدوي ، ويترتب عليه عدم قابلية عقد المكره للصحّة بالرضا اللاحق ، إذ لا عقد حقيقة ، لعدم كون المدلول مرادا بالإرادة الجدّية حتى يتعقبه الرضا . وهذا ينافي التزامهم بصحته به .
ولذا تصدّى المصنف لتوجيه عبارة الشهيدين بأنّ المتكلم إن كان جاهلا بمعنى كلامه - كالطفل الذي يلقّنه أبوه ألفاظا في مقام التعليم فينطق بها وكالكبير الذي يتعلَّم لغة أخرى فيتمرّن بتكرار ألفاظ تقليدا لمعلَّمه - فلا ريب في أنّ مثلهما قاصد لنفس الألفاظ بأدائها بوجه غير ملحون ، ولا قصد للمعنى أصلا ، لفرض الجهل به ، فهو نظير التلفظ بلفظ مهمل فاقد للمعنى ك « ديز » مثلا .
وإن كان عالما بمعنى الكلام - كما هو شأن أهل كل لسان ولغة ، وكان لفظه مستعملا لا مهملا - استحال عدم قصد مدلوله وعدم إرادته الاستعمالية ، وذلك لعدم انفكاك المدلول عن الدالّ . ولمّا كان محلّ الكلام هو المكره الملتفت إلى ما يقوله في مقام الإنشاء فلا بدّ من قصده للمدلول التصوّري .
وعليه فمراد الشهيدين عدم كون الداعي إلى الإنشاء حصول المضمون في وعاء الاعتبار - بحكم العرف والشرع - ليترتّب عليه الأثر ، بل غرض المنشئ
هامش
( 1 ) الدروس الشرعية ، ج 3 ، ص 192 ، مسالك الأفهام ، ج 3 ، ص 196 ، الروضة البهية ، ج 3 ، ص 226 و 227 .