تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
وأقام أهل الحياء والدين فاتقوا العار وتواصوا بالصبر ، وأخذنا ما أخذوا به ، وكنا أولى به منهم ، فلم يزل الله تبارك وتعالى يمحصنا ويمحقهم ، وينصرنا ويخذلهم ، حتى بلغ بنا وبهم الكتاب أجله ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) ( 1 ) ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . قال : ثم طوى الكتاب ودفعه إلى بشر بن مالك بن لبيد الحرسي ( 2 ) وقال : اعلم بأنك ترد على الحجاج من قد علمت ، فإذا وقفت بين يديه فانظر كيف تكون ، فقال : كفيت أصلح الله الأمير .

ذكر الرسول وكلامه بين يدي الحجاج

قال : ثم رحل بشر بن مالك حتى قدم على الحجاج ، فوقف بين يديه وسلم ثم ناوله الكتاب ، فلما قرأه الحجاج بن يوسف رفع رأسه إليه فقال : كيف المهلب ؟ فقال : بخير أصلح الله الأمير ! قد نال ما رجا ، وأمن ما خاف ، فقال الحجاج : الحمد لله ، فكيف كان أمركم من عدوكم ؟ قال : كنا إذا لقيناهم بحدنا وحدهم أيسوا منا وطمعنا فيهم ، قال الحجاج : أجل ، إن العاقبة للمتقين ، فكيف كان بنو المهلب في الحرب ؟ فقال : كانوا كفاة ( 3 ) السرح بالليل ، وليوث الوغى بالنهار ، قال الحجاج : فأين المهلب من بنيه ؟ قال : فضله عليهم كفضلهم على غيرهم ، قال : أجل ، لأنهم خلقوا منه ولم يخلق منهم ، قال : فكيف فاتكم قطري بن الفجاءة ، قال : كادنا بعض ما كدناه به . قال الحجاج : صدقت ، فأي بني المهلب أفضل ؟ قال : ذلك إلى المهلب . قال الحجاج : فكيف الجند ؟ قال : أرضاهم الحق وأغناهم النفل ، قال الحجاج : فكيف رضاهم بالمهلب ؟ فقال : لهم منه إشفاق ( 4 ) الوالد ، وله منهم بر الولد ، فقال الحجاج : أخبرني أكنت هيأت هذا الكلام الذي أسمعه منك ؟ فقال : كلا أيها الأمير ! إنه لا يعلم الغيب إلا الله ! قال : فتبسم الحجاج ثم التفت إلى كاتبه عنبسة بن سعيد فقال : هذا والله لكلام الحولى لا ما تجيء به أنت وأصحابك ( 5 ) . قال : ثم أقبل عليه الحجاج فقال : هل
هامش
( 1 ) سورة الأنعام الآية 45 . ( 2 ) انظر ما تقدم بشأن رسول المهلب إلى الحجاج . ( 3 ) في الكامل للمبرد 3 / 1348 حماة السرح نهارا ، فإذا أليلوا ففرسان البيات . ( 4 ) في الكامل للمبرد : شفقة الوالد . ( 5 ) انظر مقابلة رسول المهلب للحجاج في الكامل للمبرد 3 / 1348 والكامل لابن الأثير 3 / 130 .
الفتوح — صفحة 51 | أحمد بن أعثم الكوفي / علي شيري