أما حسبنا من عبد رب وصحبه * شجى ناشب لم تبتلعه الحناجر
قتلت الذي لا تستطيع فراقه * حياتك لا تنفع وموتك صائر
فمت قطري إن في الموت راحة * وأنت لديه لا محالة سائر
قال : فهم به قطري أن يقتله ، ثم إنه خشي أن يلتاث عليه أهل عسكره فسكت
عنه ، وجاء الليل فهرب ذلك الرجل في جماعة من الأزارقة حتى صاروا إلى المهلب
فاستأمنوه ، فأمنهم وأحسن جوائزهم ، ثم أنشأ ذلك الرجل يقول ( 1 ) :
قد قلت لما أرهجت لي عجاجة * هوى قطري وسطها يتذبذب
فيا قطري بن الفجاءة ما لنا * جواب لحاك الله إلا المشطب
فلما أبى إلا اللجاج بقتلنا * نظرت وكان المستجار المهلب
عفو عن الذنب العظيم كأنه * لمن ليس يرجو العفو عن ذنبه أب
عقوبته فيما يعاقب غيره * عليه بمصقول الظبي حين يغضب
يعاتبه المرء الشفيق نصيحة * يزيدهم عفوا إذا القوم أذنبوا
لحقت به ما استبان ضلاله * كأني إليه ( 2 ) كنت بالأمس أهرب
فما جئته أغشو إليه بشبهة * ولا طالبا مالا ولا المال أطلب
ولكنني أحدثت لله توبة * قفلت إليها والقلوب تقلب
ولم تك لي بعد البصيرة عرجة * ولم يك لي بعد المهلب مذهب
قال : وبقي قطري بن الفجاءة مغموما [ فيما ] هو فيه ، لأنه قد فارقه رجال من
أصحابه ، ففرقة مع عبد ربه بوادي كرمان ، والذين هم معه بجيرفت هو منهم على
وجل فلم يدر ما يصنع ، وضاق به الامر ، فأنشأ يقول ( 3 ) :
أقول لنفسي حين طال حصارها * وفارقها للحادثات نصيرها
لك الخير موتي إن في الموت راحة * فيأتي عليها حينها ما نصيرها ( 4 )
فلو أنها ترجو الحياة عذرتنا * ولكنها للموت يحدي بعيرها
وقد كنت أوفي للمهلب صاعه * ويشجى بنا والخيل يثني نحورها
هامش
( 1 ) الأبيات في شعر الخوارج ص 118 - 119 .
( 2 ) في الأصل : إليهما .
( 3 ) الأبيات في شعر الخوارج ص 132 - 133 .
( 4 ) شعر الخوارج : ما يضيرها .