فقال : يا أمير المؤمنين ! إننا كنا مرة أفاعي فأصبحنا اليوم خنافس ، وقد كنا أسودا
فأصبحنا ضباعا ، وقد أصبح المهلب يرجو منا ما كنا نرجو منه ، وقد بلغني أنك تريد
الهرب ، فإن ( 1 ) كنت إنما تريد الله والدار الآخرة فاثبت ومت حتى نموت معك ، وإلا
فدع أصحابك حتى يستأمنوا إلى المهلب فإنه يؤمنهم ، قال : ثم أنشأ يقول أبياتا
مطلعها :
أبقى لنا عبد رب بعد ألفتنا * طعن الصدور فصرنا ضحكة العرب ( 2 )
إلى آخرها .
قال : فلما سمع قطري بن الفجاءة هذه الأبيات استعبر باكيا ووطن نفسه على
الموت ، ونادى فيمن أجابه من الأزارقة وزحف إلى المهلب وأصحابه ، ودنا القوم
بعضهم من بعض ، وتقدم قطري أمام الخيل وهو يرتجز ويقول شعرا . قال : فما
لبث قطري بن الفجاءة أن خرج إليه المهلب بنفسه وهو يرتجز ويقول :
يا قطري أين أين المهرب * لا أين منك والفتى المهلب
يطعن أحيانا وحينا يضرب * كأنه وسط العجاج يلعب
قال : فعلم قطري أنه المهلب فجعل يرتجز وهو يقول :
إن يلقني بجده المهلب * اصبر وإلا لم يضرني المهرب
شيخ بشيخ ذا وذا مجرب * رمحاهما كلاهما مخضب ( 3 )
قال : فاقتتل القوم يومهم ذلك إلى الليل . وارتحل عبد ربه الكبير وعبد ربه
الصغير نحو بلاد كرمان أحدهم في سبعة آلاف والاخر في أربعة آلاف ، فصار كل
هامش
( 1 ) في الكامل للمبرد 3 / 1336 : إن كنت إنما تريد الله فأقدم على القوم ، وإن كنت إنما تريد الدنيا فأعلم
أصحابك حتى يستأمنوا .
( 2 ) ورد في شعر الخوارج منسوبا مع أبيات أخرى إلى زيد بن جندب الأزرقي . وفي الكامل للمبرد
3 / 1336 - 1337 ذكر للصلت بن مرة أبياتا أخرى :
قل للمحلين قد قرت عيونكم * بفرقة القوم والبغضاء والهرب
كنا أناسا على دين ففرقنا * طول الجدال وخلط الجد باللعب
ما كان أغنى رجالا ضل سعيهم * عن الجدال وأغناهم عن الخطب
إني لأهونكم في الأرض مضطربا * ما لي سوى فرسي والرمح من نشب
( 2 ) الأشطار في شعر الخوارج ص 129 .