تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
التراب وإنما خلق تعالى من ذلك أجسامنا فصح إن عنصر أجسامنا مخلوق منذ أول خلقه تعالى السماوات وإن أرواحنا وهى أنفسنا مخلوقة منذ أخذ الله تعالى عليها العهد وهكذا قال تعالى « ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم » وثم توجب في اللغة التي بها نزل القرآن التعقيب بمهلة ثم يصور الله تعالى من الطين أجسامنا من اللحم والدم والعظام بأن يحيل أعراض التراب والماء وصفاتهما فتصير نباتا وحبا وثمارا يتغذى بها فتستحيل فينا لحما وعظما ودما وعصبا وجلدا وغضاريف وشعرا ودماغا ونخاعا وعروقا وعضلا وشحما ومنيا ولبنا فقط وكذلك تعود أجسامنا بعد الموت ترابا ولا بد وتصعد رطوباتها المائية وأما جمع الله تعالى الأنفس إلى الأجساد فهي الحياة الأولى بعد افتراقها الذي هو الموت الأول فتبقى كذلك في عالم الدنيا الذي هو عالم الابتلاء ما شاء الله تعالى ثم ينقلنا بالموت الثاني الذي هو فراق الأنفس للأجساد ثانية إلى البرزخ الذي تقيم فيه الأنفس إلى يوم القيامة وتعود أجسامنا ترابا كما قلنا ثم يجمع الله عز وجل يوم القيامة بين أنفسنا وأجسادنا التي كانت بعد أن يعيدها وينشرها من القبور وهي المواضع التي استقرت أجزاؤها فيها لا يعلمها غيره ولا يحصيها سواه عز وجل لا إله إلا هو فهذه الحياة الثانية التي لا تبيد أبدا ويخلد الإنس والجن مؤمنهم في الجنة بلا نهاية وكافرهم في النار بلا نهاية وأما الملائكة وحور العين فكلهم في الجنة خلقوا من النور وفيها يبقون أبدا بلا نهاية ولم ينقلوا عنها قط ولا ينقلون هذا كله نص قول الله عز وجل إذ يقول « كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم » وإذ يقول الله تعالى مصدقا للقائلين « ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين » فلا يشذ عن هذا أحد إلا من أبانه الله تعالى بمعجزة ظهرت فيه كمن أحياه الله عز وجل آية لنبي كالمسيح عليه السلام وكالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال