يكون من عذاب الدنيا ونكالها وجعل بعض الحيوان متقربا إلى الله عز وجل بذبحه وبعضه محرما ذبحه وبعضه مأواه الرياض والأشجار والخضر وبعضه مأواه الحشوش والرداع والدبر وبعضه قويا وبعضه ضعيفا منتفعا به في الأودية وبعضه سما قاتلا وبعضه قويا على الخلاص ممن أراد بطير انه وعدوه أو قوته وبعضه مهينا لا مخلص عنده وبعضه خيلا في نواصيها الخير يجاهد عليها العدو وبعضه سباعا ضارية مسلطة في سائر الحيوان ذاعرة لها قاتلة لها آكلة لها وجعل سائر الحيوان لا ينقصر منها وبعضها حياة عادية مهلكة وبعضه مأكولا على كل حال فأي ذنب كان لبعضه حتى سلط عليه غيره فأكله وقتله وأبيح ذبحه وقتله وإن لم يؤكل كالقمل والبراغيث والبق والوزغ وسائر الهوام ونهى عن قتل النحل وعن قتل الصيد في الحرمين والإحرام وأباحه في غير الحرمين والإحرام فإن قالوا إن الله تعالى يعوض ما أباح ذبحه وقتله منها قيل له فهلا أباح ذلك فيما حرم قتله ليعوضه أيضا وهذه محاباة لا شك فيها مع أنه في المعهود من المعقول عين العبث إلا أن يقولوا أنه تعالى لا يقدر على نعيمها إلا بتقديم الأذى فإنهم لا ينفكون بهذا من المحاباة لها على من لم يبح ذلك فيها من سائر الحيوان مع أنه تعجيز لله عز وجل ويقال لهم ما الذي عجزه عن ذلك وأقدره على تنعيم من تقدم له الأذى في الدنيا أطبيعة فيه جارية على بنيتها أم فوقه واهب له تلك القدرة ولا بد من أحد هذين القولين كلاهما كفر مجرد وأيضا فإن قولهم يبطل بتنعيم الله عز وجل الأطفال الذين ولدوا احياء وماتوا من وقتهم دون ألم سلف لهم ولا تعذيب فهلا فعل بجميع الحيوان كذلك على أصولكم وأيضا فقد كان عز وجل قادرا على أن يجعل غذاءنا في غير الحيوان لكن في النبات والثمار كعيش كثير من الناس في الدنيا لا يأكلون لحما فما ضرهم ذلك في عيشهم شيئا فهل هاهنا إلا أن الله تعالى لا يجوز الحكم على أفعاله
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 129
مساهمون: ابن حزم
ص١٢٩