قال أبو محمد ولقد كان ينبغي لمن هذا مقداره من الجهل أن يتعلم قبل أن يتكلم أما علم لجاهل أن الحياة إنما هي للنفس لا للجسد وإن الحي إنما هي النفس لا الجسد اما سمع قول الله عز وجل « فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور » وليت شعري لو عكس عليه هذا السخف فقيل له بل يد الإنسان حية ولا حياة فيها بماذا كان ينفصل من هذا الجنون المطابق لجنونه ثم إذ قد بطل قول هؤلاء فنقول بحول الله تعالى وقوته للطائفة الأخرى التي قالت إنه تعالى حي بحياة استدلالا بالشاهد ما الفرق بينكم وبين من قال هو تعالى جسم لأن الأفعال لا تقع إلا من جسم وعرض فلما بطل إمكان الفعل من العرض صح وقوعه من الجسم فقط ولا بد ولما صح أن العالم لا يكون إلا جسما ذا ضمير صح أنه تعالى جسم ذو ضمير ولما صح أنه قادر والقادر لا يكون إلا جسما صح أنه جسم فبأي شيء راموا الانفصال به عكس عليهم مثله سواء بسواء في استدلالهم وما التزموه لزمهم فإن قالوا أنه تعالى أخبر أنه حي ولم يخبر أنه جسم قلنا لهم وبالله التوفيق وإن الله تعالى لم يخبر بأن له حياة فإن قالوا أن الحي يقتضي أن له حياة قلنا لهم والحي يقتضي أنه جسم وهكذا أبدا فإن قالوا أنه تعالى قال « وتوكل على الحي الذي لا يموت » فوجب أن يكون حيا بحياة قيل لهم وإن وجب هذا فقال تعالى لا نأخذه سنة ولا نوم فقولوا أنه تعالى يقظان فإن قالوا لم ينص تعالى على أنه يقظان قيل لهم ولا نص تعالى على أن له حياة فإن قالوا الحي يقتضي حياة قيل لهم ومن ليس نائما ولا وسنان فهو يقظان ولا فرق ويقال لهم أخبرونا ماذا نفيتم عنه تعالى بإيجاب الحياة له انفيتم عنه بذلك الموت المعهود والمواتية المعهودة أم موتا غير معهود ومواتية غير معهودة ولا سبيل إلى قسم ثالث فإن قالوا نفينا عنه الموت المعهود والمواتية المعهودة قلنا لهم أن الموت المعهود والمواتية المعهودة لا ينتفيان البتة إلا لحياة المعهودة التي هي الحس والحركة والسكون الاراديان وهذا خلاف قولكم ولو قلتموه لأبطلنا قولكم بما أبطلنا به قول
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 155
مساهمون: ابن حزم
ص١٥٥