حساسا لنفي الخدر عنه وسماما لنفي الجسم عنه ومتحركا لنفي السكون والجمادية عنه وعاقلا لنفي ضد العقل عنه وشجاعا لنفي الجبن عنه فإن امتنعوا من ذلك كانوا قد ناقضوا في استدلالهم في تسميتهم إياه حيا عالما قادرا جوادا فإن قالوا إنه لا يجوز أن يسمي بشئ مما ذكرنا لأنه لم يأت به نص قيل لهم وكذلك لم يأت نص بأن له تعالى حين ولا بأنه إنما سمى حيا عالما قادرا لنفي أضداد هذه الصفات عنه لكن لما جاء النص بأنه تعالى يسمي الحي العالم القدير سميناه بذلك ولولا النص ما جاز لأحد أن يسمي الله تعالى بشئ من ذلك لأنه كان يكون مشبها له بخلقه لا سيما ولفظة الحي تقع في اللغة على العالم المميز بالحقائق قال تعالى « لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين » فأراد بالحي هاهنا العلم المميز بالإيمان المقر به وأيضا منهم يدعون أنهم ينكرون التشبيه ثم يركبونه أتم ركوب فيقولون لما لم يكن الفعال عندنا الا حيا عالما قادرا وجب أن يكون الباري الفاعل للأشياء حيا عالما وهذا نص قياسهم له على المخلوقات وتشبيهه تعالى بهم ولا يجوز عند القائلين
بالقياس أن يقاس الشيء إلا على نظيره وأما أن يقاس الشيء على خلافه من كل جهة وعلى ما لا يشبهه في شيء البتة فهذا ما لا يجوز أصلا عند أحد فكيف والقياس كله باطل لا يجوز وأيضا فإن الحياة التي لا يعرف أحد بالعقل حياة غيرها إنما هي الحس والبركة الإرادية ولا يعرف أحد الحي إلا بالإحساس المتحرك بإرادة وهذا أمر يعرف بالضرورة فمن أنكر ذلك فقد أنكر الحس والمشاهدة والضرورة وخرج عن أن يكلم فإن قال قائل منهم إن الموات قد يتحرك فلم يزد على أن أبان عن قوة جهله لأنه إنما قلنا الحركة الإرادية فإذا لم يفرق هذا الجاهل بين الحركة الإرادية والاضطرارية فينبغي له أن يتعلم قبل أن يتكلم وكل حركة ظهرت من غير حي فليست حركة إرادية له لكنها تحريك المحرك له أما الباري تعالى وأما من دونه ومما يبطل قولهم ضرورة أنه إنما سمى تعالى حيا لأنه عالم فأراد وجودنا أحياء كثيرة ليسوا علماء ولا قادرين كالأطفال حين ولادتهم
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 158
مساهمون: ابن حزم
ص١٥٨