تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
سموا ربهم تعالى حيا من طريق الاستدلال أما لنفي الموت والجمادية عنه وأما لأنه فاعل قادر عالم ولا يكون الفاعل القادر العالم إلا حيا يلزمهم أن يطردوا استدلالهم هذا وإلا فهم متناقضون وإذا طردوا استدلالهم هذا لزمهم ولا بد أن يقولوا أنه تعالى جسم لأنهم لم يعقلوا قط فاعلا ولا حكيما ولا عالما ولا قادرا إلا جسما فإذا لم يكن هذا دليلا على أنه جسم فليس دليلا على أنه حي وأيضا فإن اتفاقهم على ما ذكرنا موجب على الطائفة الأولى أن يطردوا أيضا استدلالهم وإلا فهو فاسد فنقول أنه لا يكون القادر العالم فيما بيننا إلا ذا حياة ولا يكون حيا إلا بحياة لا يعقل غير هذا أصلا ويقال لهم ما الفرق بينكم وبين من عكس قولكم فقال إذا كان الحي لا يجب أن يقال أن له حياة من أجل أنه حي ولا أنه إذا كان حيا وجب أن يكون له حياة ولا أنه سمى الحي حيا لأن له حياة فكذلك لم يجب أن يكون الفاعل فاعلا لأنه حي لكن لأن له فعلا فقط ولا وجب أن يكون الفعل فاعلا لأنه عالم قادر لكن لأن له فعلا وكذلك المؤلف لم يسم مؤلفا لأن فيه تأليفا ولا سمى الحكيم حكيما لأحكامه الفعل ولا وجب المؤلف أن يكون محدثا للتأليف الذي فيه على أن من قال بعض هذه القضايا فهو أصح قولا ممن قال أن يكون الحي حيا لا يقتضي بذلك الاستدلال أن يكون له حياة لأننا لم نجد قط حيا إلا بحياة ولا توهمنا ذلك إلا بالعقل ولا يتشكل في العقل البتة ولا يدخل في الممكن بدليل وقد وجدنا العنكبوت والنحل والخطاف تحكم أفعالها وبنائها بالطين وبالشمع مسدسا علي رتبة واحدة وبالنسج ثم لا يجوز أن يسمى شئ منها حكيما فإن قال إنما أقول أنه حي استدلالا بأنه لا يموت فقط كان قد أتى بأسخف قول وذلك يلزمه أن يقول أننا لسنا أحياء لأننا نموت وأنه لا حي في العالم لأن من قول هذا القائل أن الملائكة تموت فليس في العالم حي على قوله وقد أتى بعضهم بهذيان ظريف فقال قد وجدنا شيئا فيه حياة وليس حيا هو يد الإنسان ورجله