المجسمة وإن قالوا ما نفينا عنه تعالى إلا موتا غير معهود ومواتية غير معهودة قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق هذا لا يعقل ولا يتوهم ولا قام به دليل ولا يجوز أن ينتفي ما ذكرتم بحياة يقتضيها اسم الحي المعقول وهكذا نقول في قولهم سميناه تعالى سميعا لنفي الصمم وبصيرا لنفي العمى ومتكلما لنفي الخرس فنسألهم هل نفيتم بذلك كله الخرس المعهود والصمم المعهود والعمى المعهود أم صمما لا يعهد وعمي غير المعهود وخرسا غير المعهود فإن قالوا نفينا المعهود من كل ذلك قلنا أن الصمم المعهود لا ينفي إلا بالسمع المعهود الذي هو بإذن سالمة والعمى المعهود لا ينتفي إلا بالبصر المعهود الذي هو حدقه سالمة والخرس المعهود لا ينتفي إلا بالكلام المعهود الذي هو صوت من لسان وحنك وشفتين فإن قالوا بل نفينا من كل ذلك غير المعهود قلنا هذا لا يعقل ولا يتوهم ولا يصح به دليل ولا ينتفي بما أردتم نفيه به وأيضا فإن الباري تعالى لو كان حيا بحياة لم يزل وهي غيره لوجب ضرورة أن يكون تعالى مؤلفا مركبا من ذاته وحياته وسائر صفاته ولكان كثير إلا واحدا وهذا إبطال الإسلام ونعوذ بالله من الخذلان
قال أبو محمد وأما قولهم إنما خاطبنا الله بما نعقل ودعواهم أن في بديهة العقول أن الفاعل لا يكون إلا عالما بعلم هو غيره حيا بحياة هي غيره قادرا بقدرة هي غيره متكلما بكلام هو غيره سميعا بسمع هو غيره بصيرا ببصر هو غيره فأنا نقول وبالله تعالى نتأيد إن هذه القضية كما ذكروا ما لم برهان على خلاف ذلك ثم نسألهم هل عقلتم قسط أو توهمتم نارا محرقة تنبت في الشجر المثمر وهذه صفة جهنم التي إن أنكرتموها كفرتم وهل عقلتم قط طيرا حيا يؤكل دون أن يموت أو يعاني بنار وهذه صفة الجنة التي إن أنكرتموها كفرتم ومثل هذا كثير وإنما الحق أن لا نخرج عما عهدناه وما عقلناه إلا أن يأتي برهان فإن قنعوا بهذا القدر من الدعوى فليقنعوا بمثل هذا من المجسمة إذ قالوا إنما خاطبنا الله تعالى بما نفهم ونعقل لا بما لا يعقل وقد أخبرنا الله تعالى أن له عينا ويدا ووجها وأنه ينزل ويجيء في ظلل من الغمام قالوا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 156
مساهمون: ابن حزم
ص١٥٦