فكل هذا محمول على ما عقلنا من أنها جوارح وحركات وأنها جسم وأقنعوا به منهم أيضا إذ قالوا ببديهة العقل وأوله عرفنا ووجب أنه لا يكون الفاعل إلا جسما في مكان وبضرورة العقل علمنا أنه لا شيء إلا بجسم أو عرض وما لم يكن كذلك فهو عدم وإن ما لم يكن عرضا فهو جسم والباري تعالى ليس عرضا فهو جسم ولا بد وأقنعوا بمثل هذا من المعتزلة إذ قالوا في إبطال الرؤية بضرورة العقل عرفنا أنه لا يرى إلا جسم ملون وما كان في حيز وإذ قالوا بضرورته وبديهته علمنا أن كل من فعل شيئا فإنما يوصف به وينسب إليه فلو أنه تعالى خلق الشر والظلم المنسب إليه ووصف بهما وأقنعوا بهذا من الدهرية إذ قالوا بضرورة العقل علمنا أنه لا يكون شيئا إلا من شيء أو في شيء
قال أبو محمد فكل طائفة من هذه الطوائف تدعي الباطل على العقول والحقيقة في هذا هو أن كل من ادعى في شيء ما أنه يعرف ببديهة العقل وضرورته وأوله أن ينظر في تلك الدعوى فإن كانت مما ترجع إلى الحواس المشاهدة فهي دعوى كاذبة فاسدة لأن العقول توجب أشياء لا تشكل في الحواس كالألوان التي لا يتوهمها الأعمى ولا يتشكلها بحاسة وهو موقن بها بضرورة عقله لصحة الخبر وتواتره عليه بوجودها وكالصوت الذي لا يتوهمه البتة ولا يشكله من ولد أصم أصلع وهو موقن بعقله بصحة الأصوات لتواتر الخبر عليه بصحتها وإن كانت تلك الدعوى ترجع إلى مجرد العقل دون توسط لحواس فهي دعوى صادقة وهذه الدعاوي التي ذكرنا عن الأشعرية والمجسمة والمعتزلة والدهرية فإنما غلطوا فيها لأنهم نسبوا إلى أول العقل ما أدركوه بحواسهم وقد قلنا أن العقل يوجب ولا بد معرفة أشياء لا تدرك بالحواس ولا سيما دعوى الدهرية فإنها تعارض ممثلها من أن بضرورة العقل وأوله علمنا أنه لا يمكن وجود جسم وعرض في زمان لا أول له وهذا هو الحق لا دعواهم التي عولوا فيها علي ما شاهدوا بحواسهم فقط وبالله تعالى التوفيق وأيضا فيقال لهم إذا سميتموه حيا لنفي الموت والمواتية عنه تعالى وقادرا لنفي العجز وعالما لنفي الجهل فيلزمكم ولا بد أن تسموه
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 157
مساهمون: ابن حزم
ص١٥٧