أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه وقد قال تعالى والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم فصح أن القديم من صفات المخلوقين فلا يجوز أن يسمى الله تعالى بذلك وإنما يعرف القديم في اللغة من القدمية الزمانية أي أن هذا الشيء أقدم من هذا بمدة محصورة وهذا منفي عن الله عز وجل وقد أغنى الله عز وجل عن هذه التسمية بلفظة أول فهذا هو الاسم الذي لا يشاركه تعالى فيه غيره وهو معنى أنه لم يزل وقد قلنا بالبرهان أن الله تعالى لا يجوز أن يسمى بالاستدلال ولا فرق بين من قال أنه يسمي ربه جسما إثباتا للوجود ونفيا للعدم وبين من سماه قديما إثباتا لأنه لم يزل ونفيا للحدوث لأن كلا اللفظتين لم يأت به نص فإن قال من سماه جسما ألحد لأنه جعله كالأجسام قيل له ومن سماه قديما قد ألحد في أسمائه لأنه جعله كالقدماء فإن قال ليس في العالم قدماء أكذبه القرآن بما ذكرنا وأكذبته اللغة التي بها نزل القرآن إذ يقول كل قائل في اللغة هذا الشيء أقدم من هذا وهذا أمر قديم وزمان قديم وشيخ قديم وبناء قديم وهكذا في كل شيء وأما نفي خلق الإيمان فهذا أعجب ما أتوا به وهل الإيمان إلا فعل المؤمن الظاهر منه يزيد وينقص ويذهب البتة وهو خلق الله تعالى وهذه صفات الحدوث نفسها فإن قالوا أن الله هو المؤمن قلنا لهم نعم هو المؤمن المهيمن المصور فأسماؤه بذلك أعلام لا مشتقة من صفات محمولة فيه عز وجل تعالى الله عن ذلك إلا ما كان مسمى له عز وجل لفعل فعله فهذا ظاهر كالخالق والمصور فإن قلتم في هذا أيضا أنها صفات لم تزل لزمكم أنه تعالى المصور بتصوير لم يزل وهذا قول أهل الدهر المجرد وبالله تعالى التوفيق
قال أبو محمد وقال بعضهم أن قولنا سميع بصير يسمع بصير ببصر حي بحياة لا يوجب تشابها ولا يكون الشئ شبها للشيئ الا إذا ناب منا به وسد مسده قال أبو محمد وهذا كلام في غاية السخافة لأنه دعوى بلا برهان لا من شريعة ولا من طبيعة وما اختلفت قط اللغات والطبائع والأمم في أن النسبة بين المشبهات إنما هو بصفاتها في الأجسام وبذوابها في الأعراض
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 152
مساهمون: ابن حزم
ص١٥٢