في تأكيد القول بتذييله بقوله :
« وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »
إذ هو تعالى لما كان سميعا لأقوالهم عليما بأحوالهم فلا ينبغي أن يقول القائل : آمنت باللّه إلّا عن ظهر القلب ومع الصبر على كل فتنة ومحنة .
ومن هنا يظهر أن ذيل الآية
« فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ »
الخ ؛ من قبيل وضع السبب موضع المسبب كما كان صدرها
« مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ »
أيضا كذلك ، والأصل من قال : آمنت باللّه .
فليقله مستقيما صابرا عليه مجاهدا في ربه .
وقوله :
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
المجاهدة والجهاد مبالغة من الجهد بمعنى بذل الطاقة ، وفيه تنبيه لهم أن مجاهدتهم في اللّه بلزوم الإيمان والصبر على المكاره دونه ليست مما يعود نفعه إلى اللّه سبحانه حتى لا يهمهم ويلغو بالنسبة إليهم أنفسهم بل إنما يعود نفعه إليهم أنفسهم لغناه تعالى على العالمين فعليهم أن يلزموا الإيمان ويصبروا على المكاره دونه .
فقوله :
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
تأكيد لحجة الآية السابقة ، وقوله :
« إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »
تعليل لما قبله .
وقوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ
بيان لعاقبة إيمانهم حق الإيمان المقارن للجهاد ويتبين به أن نفع إيمانهم يعود إليهم لا إلى اللّه سبحانه وأنه عطيّة من اللّه وفضل .
وعلى هذا فالآية لا تخلو من دلالة ما على أن الجهاد في اللّه هو الإيمان والعمل الصالح فإنها في معنى تبديل قوله في الآية السابقة :
« وَمَنْ جاهَدَ »
من قوله في هذه الآية :
« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
.
وتكفير السيئات هو العفو عنها والأصل في معنى الكفر هو الستر ، وقيل : تكفير السيئات هو تبديل كفرهم السابق إيمانا ومعاصيهم السابقة طاعات ، وليس بذاك .