وأما ما لفّقوه من الحجة وركنوا اليه من باطل القول فهو داحض مردود إليهم والحجة قائمة تامة عليهم .
فهذا محصّل غرض السورة ومقتضى ذلك كون السورة كلها مكية ، وقول القائل : إنها مدنية كلها أو معظمها أو بعضها - وسيجيء في البحث الروائي التالي - غير سديد ، فمضامين آيات السورة لا تلائم إلّا زمن العسرة والشدة قبل الهجرة .
قوله تعالى :
ألم ، أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
الحسبان هو الظن ، وجملة
« أَنْ يُتْرَكُوا »
قائمة مقام مفعوليه ، وقوله :
« أَنْ يَقُولُوا »
بتقدير باء السببية ، والفتنة الامتحان وربما تطلق على المصيبة والعذاب ، والأوفق للسياق هو المعنى الأول ، والاستفهام للإنكار .
ولا معنى : أظن الناس أن يتركوا فلا يتعرض لحالهم ولا يمتحنوا بما يظهر به صدقهم أو كذبهم في دعوى الإيمان بمجرد قولهم : آمنا ؟
قوله تعالى :
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
اللامان للقسم ، وقوله :
« وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
حال من الناس في قوله :
« أَ حَسِبَ النَّاسُ »
أو من ضمير الجمع في قوله :
« لا يُفْتَنُونَ »
وعلى الأول فالإنكار والتوبيخ متوجه إلى ظنهم أنهم لا يفتنون مع جريان السنة الإلهية على الفتنة والامتحان وعلى الثاني إلى ظنهم الاختلاف في فعله تعالى حيث يفتن قوما ولا يفتن آخرين ، ولعل الوجه الأول أوفق للسياق .
فالظاهر أن المراد بقوله :
« وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
أن الفتنة والامتحان سنة جارية لنا وقد جرت في الذين من قبلهم وهي جارية فيهم ولن تجد لسنة اللّه تبديلا .
وقوله :
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
الخ ؛ تعليل لما قبله ، والمراد بعلمه تعالى بالذين صدقوا بالكاذبين ظهور آثار صدقهم وكذبهم في مقام العمل بسبب الفتنة والامتحان