فليس عندها من الحقيقة إلّا ما أفاض اللّه عليها بفضله وهي آياته الدالة على صفاته الكريمة من رحمة ورزق وفضل وإحسان وغير ذلك .
فالحقيقة الثابتة في الواقع التي ليست هالكة باطلة من الأشياء هي صفاته الكريمة وآياته الدالة عليها والجميع ثابتة بثبوت الذات المقدسة .
هذا على تقدير كون المراد بالهالك في الآية الهالك بالفعل وعلى هذا يكون محصل تعليل كلمة الإخلاص بقوله :
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
أن الإله وهو المعبود بالحق إنما يكون إلها معبودا إذا كان أمرا ذا حقيقة واقعية غير هالك ولا باطل له تدبير في العالم بهذا النعت وكل شيء غيره تعالى هالك باطل في نفسه إلّا ما كان وجها له منتسبا اليه فليس في الوجود إله غيره سبحانه .
والوثنيون وإن كانوا يرون وجود آلهتهم منسوبا اليه تعالى ومن جهته إلّا أنهم يجعلونها مستقلة في التدبير مقطوعة النسبة في ذلك عنه من دون أن يكون حكمها حكمه ، ولذلك يعبدونها من دون اللّه ، ولا استقلال لشيء في شيء عنه تعالى فلا يستحق العبادة إلّا هو .
وهاهنا وجه آخر أدق منه بناء على أن المراد بالوجه ذات الشيء فقد ذكر بعضهم ذلك من معاني الوجه كما يقال : وجه النهار ووجه الطريق لنفسهما وإن أمكنت المناقشة فيه ، وذكر بعض آخر : أن المراد به الذات الشريفة كما يقال : وجوه الناس أي أشرافهم وهو من المجاز المرسل أو الاستعارة وعلى كلا التقديرين فالمراد أن غيره تعالى من الموجودات ممكنة والممكن وإن كان موجودا بإيجاده تعالى فهو معدوم بالنظر إلى حد ذاته هالك في نفسه والذي لا سبيل للبطلان والهلاك اليه هو ذاته الواجبة بذاتها .
ومحصل التعليل على هذا المعنى : أن الإله المعبود بالحق يجب أن يكون ذاتا بيده شيء من تدبير العالم ، والتدبير الكوني لا ينفك عن الخلق والإيجاد فلا معنى لأن يوجد الحوادث شيء ويدبر أمرها شيء آخر - وقد أوضحناه مرارا في هذا الكتاب - ولا يكون الخلق الموجد إلّا