وقيل : تذكرة استينافية لنعمته تعالى عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهذا وجه وجيه وتقريره أنه تعالى لما وعده بالرد إلى معاد وفيه ارتفاع ذكره وتقدم دعوته وانبساط دينه خط له السبيل التي يجب عليه سلوكها بجهد ومراقبة فبيّن له أن القاء الكتاب اليه لم يكن على نهج الحوادث العادية التي من شأنها أن ترتجى وتترقب بل كانت رحمة خاصة من ربه وقد وعده في فرضه عليه ما وعده فمن الواجب عليه قبال هذه النعمة وفي تقدم دعوته وبلوغها الغاية التي وعدها أن لا ينصر الكافرين ولا يطيعهم ويدعو إلى ربه ولا يكون من المشركين ولا يدعو معه إلها آخر .
وقوله :
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
استثناء منقطع أي لكنه ألقي إليك رحمة من ربك وليس بإلقاء عادي يرجى مثله .
وقوله :
فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ
تفريع على قوله :
« إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ »
أي فإذا كان إلقاؤه إليك رحمة من ربك خصّك بها وهو فوق رجائك فتبرأ من الكافرين ولا تكن معينا وناصرا لهم .
قوله تعالى :
وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ
إلى آخر الآية ؛ نهي له صلّى اللّه عليه وآله وسلم على الانصراف عن آيات اللّه بلسان نهي الكفار عن الصد والصرف ووجهه كون انصرافه مسببا لصدهم وهو كقوله لآدم وزوجه :
« فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ »
أي لا تخرجا منها بإخراجه لكما بالوسوسة .
والظاهر أن الآية وما بعدها في مقام الشرح لقوله :
« فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ »
وفائدته تأكيد النهي بعدّ موارده واحدا بعد واحد فنهاه أولا عن الانصراف عن القرآن النازل عليه برميهم كتاب اللّه بأنه سحر أو شعر أو كهانة أو أساطير الأولين اكتتبها ، وأمره ثانيا أن يدعو إلى ربه ، ونهاه ثالثا أن يكون من المشركين وفسّره بأن يدعو مع اللّه إلها آخر .
وقد كرّر صفة الرب مضافا اليه صلّى اللّه عليه وآله وسلم للدلالة على اختصاصه بالرحمة والنعمة وأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم متفرّد في عبادته لا يشاركه المشركون فيها .